كل عام عندما يقترب شهر رمضان الكريم ينقسم المسلمون في أنحاء العالم على مواقع التواصل الاجتماعي في جدلٍ يثار كل عام بنفس الطريقة حول صحة إثبات رؤية هلال رمضان المبارك ومن الدول التي أثبتت دخوله بشكل صحيح.
وهذا العام كما في كل عام تعارض إثبات بعض الدول مع العلم بينما أتخذ البعض من العلم والحسابات الفلكية الأساس في إثبات دخول الشهر ولكن الشكوك باتت تزيد والتساؤلات أصبحت عديدة.. فهل من خطأ بالموضوع؟!
من كان إثباته صحيحاً وهل هناك من أخطأ؟
في الواقع إن هذا الاختلاف في ثبوت رؤية هلال رمضان لعام 1447 هـ (2026 م) أمر متكرر سنوياً في بداية الشهر ونهايته من كل عام.
حيث يتحول الأمر إلى تريند يثير نقاشات واسعة بين الناس بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي بواسطتها بات الجميع يستطيع متابعة إعلانات الدول المختلفة في الوقت الفعلي.
ومن خلال المتابعة لأحداث يومي (17 و18 فبراير 2026م) نرى أن بعض الدول أعلنت الأربعاء 18 فبراير أول أيام رمضان بناءً على ثبوت الرؤية لديها ومنها السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين واليمن وفلسطين ولبنان.
بينما عدة دول أخرى كـ سوريا ومصر والأردن وسلطنة عمان أعلنت الخميس 19 فبراير أول أيام الشهر مستندة إلى عدم ثبوت الرؤية مساء الثلاثاء 17 فبراير.
وهناك بعض الدول كـ نيوزيلندا وفيجي تحرّت بداية الشهر يوم الأربعاء 18 فبراير ولكن تعذّر عليها رؤيته فقررت بموجبه أن الجمعة 20 فبراير أول أيام شهر رمضان 2026م / 1447هـ.
وقد أدى هذا التباين إلى انقسام في الرأي العام وانتشار نقاشات حول من كان محقاً من الدول وأيهما يكون أصح؛ الصيام مع الدولة التي يقيم الشخص بها أو اتباع الدول التي ثبت لديها رؤية الهلال؟!
ما رأي الدين الإسلامي بهذا الاختلاف؟
إذا ما نظرنا إلى تعاليم الدين الإسلامي سنرى أن هذا الاختلاف لا يمثل أي مشكلة فهو نتيجة طبيعية لتنوع المناهج الفقهية والعلمية في دول العالم الإسلامية.
علماً أن الإسلام يشجع على الوحدة لكن في مسائل عديدة كرؤية الهلال فإن الأمر به سعة وهناك مجال للاجتهاد وكل دولة أو مجتمع له أن يتبع ما يراه صحيحاً بناءً على أدلته ومنهجه الذي يتبعه.
ويمكن تلخيص سبب الاختلاف الحاصل في إثبات رؤية هلال شهر رمضان بثلاث نقاط أساسية:
1. الاختلاف الفقهي: فبعض المذاهب الفقهية تؤكد على الرؤية البصرية الفعلية كشرط أساسي لثبوت الشهر مستندة إلى الحديث النبوي الشريف "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، بينما يرى آخرون أن الحسابات الفلكية يمكن أن تكون بديلاً موثوقاً خاصة مع تقدم التكنولوجيا وهذا أدى إلى تباين في المنهج فبتنا نرى دول كـ السعودية تعتمد على لجان رؤية رسمية وشهادات بينما دول أخرى كـ تركيا تعتمد على الحسابات الفلكية.
2. الاختلاف الجغرافي (المطالع): يمكن أن يتم رصد الهلال في منطقة جغرافية معينة ولا يتم رصده في مناطق أخرى بسبب الفرق في خطوط الطول والعرض فمثلاً قد تثبت رؤيته في غرب آسيا ولا تثبت في الشرق أو العكس وهنا بعض بعض الفقهاء يرون أن رؤية بلد للهلال تُلزم الجميع (الإطلاق) بينما البعض الآخر يرون أن كل منطقة لها مطْلَعها الخاص (التعدد).
3. العوامل السياسية والإدارية: كل دولة لها هيئتها الرسمية المسؤولة عن الإعلان (كـ المحكمة العليا في السعودية و لجنة رصد الأهلة في سوريا ودار الإفتاء في مصر) وقد تتبع كل هيئة قرارات دول أخرى في حال لم تكتف بما لديها من معطيات لأسباب ثقافية أو دينية أو ترفضها للحفاظ على استقلاليتها. ويضاف إلى ذلك أن بعض الدول تعتمد على مراصد فلكية متطورة بينما أخرى تعتمد على الشهادات الشخصية مما يزيد من التباين والاختلاف.
ما هو رأي العلم بهذا الاختلاف؟
لا يرى العلم أن هنالك مانعاً من الاختلاف أو من الاعتماد على الرصد بالعين المجردة ولكن الاعتماد في عصرنا الحالي على الحسابات الفلكية الدقيقة يجب أن يؤخذ بالحسبان بشكل أكبر لأنه يوفر تفاصيل موضوعية مبنية على العلم بدلاً من الاعتماد الحصري على الشهادات البصرية التي قد تكون عرضة للخطأ أو الجدل.
فالعلم والحسابات لا مجال لها لأن تُخطأ أما العين البشرية فيمكن أن يُشبّه لها رؤية كوكب آخر على أنه القمر وقد حدث الأمر بالفعل مسبقاً في بعض الدول.
وما يمكن أن يؤكده العلم هو أن الدول التي قررت أن بداية الشهر المبارك سواء الأربعاء أو الخميس صحيحة لأن القمر بالفعل ولد الثلاثاء ولكن رؤيته بالعين المجردة مستحيلة ورأي العلم باستحالة رؤية الهلال بالعين المجردة قاطعة ومطلقة.
متى ولد بالضبط هلال رمضان 1447 هـ / 2026م؟
ولادة هلال رمضان لعام 2026م / 1447هـ (أي اللحظة الفلكية الدقيقة للاقتران المركزي بين القمر والشمس والتي تُعرف بـ ولادة الهلال أو المحاق المركزي) حدثت يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026م. وذلك وفقاً للحسابات الفلكية الدقيقة من مصادر موثوقة متعددة كمركز الفلك الدولي وغيره.
الوقت الدقيق للولادة كان الساعة 12:01م بالتوقيت العالمي المنسق (UTC/GMT)، أي الساعة 3:01م بتوقيت مكة المكرمة (UTC+3).
![]() |
| مصدر الصورة: مركز الفلك الدولي |
يمثل هذا التوقيت بداية الدورة القمرية الجديدة فلكياً؛ حيث يكون حينها القمر بين الأرض والشمس تماماً (المحاق)، ويبدأ بعدها في الابتعاد تدريجياً ليصبح هلالاً مرئياً من على سطح الأرض بعد ساعات أو أيام حسب الموقع الجغرافي.
لماذا لم يُرَ الهلال مساء الثلاثاء 17 فبراير؟
رغم أن ولادة القمر حدثت في النهار إلا أن رؤية الهلال كانت مستحيلة أو شبه مستحيلة في معظم الدول العربية والإسلامية مساء ذلك اليوم وذلك وفق تقرير مركز الفلك الدولي ومعايير علمية محكمة كمعيار عودة ودانجون وغيرها.
والأسباب المعتمدة في استحالة رؤية هلال رمضان هي أن:
• القمر غاب قبل الشمس أو معها أو بعدها بدقائق قليلة جداً في معظم المناطق حيث مكث فقط 3 دقائق.
• كانت زاوية البعد (الاستطالة) أقل من الحد الأدنى لإمكانية الرؤية (حوالي 7-8 درجات).
• عمر القمر كان قصيراً جداً عند الغروب لتتوفر إمكانية رصد الهلال.
• تزامن الرصد مع كسوف شمسي حلقي في بعض المناطق مما زاد من صعوبة الرصد.
إذاً من المحق ومن المخطئ؟
فلكياً وعلمياً رؤية هلال رمضان بالعين المجردة مستحيلة، ولكن كما ذكرنا مسبقاً الموضوع (دينياً) به سعة ويمكن الاجتهاد به فالكلمة الفاصلة لإثبات دخول شهر رمضان هي للشرع والدين وليس للأرقام. والحديث النبوي الشريف سهّل الأمر على المسلمين لأن لا يشقّ عليهم: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
فطالما أن القائمين على إثبات رؤية الهلال يعتمدون منهجاً واضحاً في الإثبات ولا يتبعون لأي سياسة أو ضغط أو يحاولون مخالفة جهة أخرى فإن عملهم صحيح دينياً والله أعلم.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بيانات وصور وحسابات نشرها مركز الفلك الدولي.
• الهيئات والمؤسسات الرسمية التي تولّت رصد الهلال في مختلف الدول العربية والإسلامية.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.

