أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

آخر الأخبار

أصغر روبوت في العالم: ابتكار لا تراه العين سيغيّر مستقبل الطب والتكنولوجيا

شريحة تمثل روبوت دقيق جداً

قد يبدو سؤال هل يمكن أن نخترع آلة تفكّر وتتحرّك وتتواصل بحجم أصغر من ذرة الملح أقرب إلى الخيال العلمي.
ولكن فريقاً من الباحثين الأميركيين نجح فعلياً في تحويل هذا الخيال إلى حقيقة. حيث تمكّن علماء من جامعتي بنسلفانيا وميشيغان من تطوير أصغر روبوت في العالم. وهو روبوت مبرمج ذاتياً ومستقل الحركة ولا يكاد يُرى بالعين المجرّدة، ولكنه قادر على الإحساس والتفكير والتنفيذ.

هذا الإنجاز لا يمثّل مجرد رقم قياسي جديد في عالم الهندسة الدقيقة، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام ثورة تكنولوجية قد تغيّر مفاهيمنا حول الروبوتات والطب. وحتى قد نتمكن باستخدامها من مراقبة صحة الإنسان من الداخل عوضاً عن المراقبة الخارجية.


أصغر روبوت في العالم

عند الحديث عن أصغر روبوت في العالم، فنحن فعلياً لا نتحدث عن جهاز صغير نسبياً مثلاً بحجم قطعة نقود. بل عن كيان متناهي الصغر بشكل أكبر حيث يبلغ حجمه نحو 200 × 300 ميكرومتر فقط، وبسماكة لا تتجاوز 50 ميكرومتراً. أي أنه أصغر من عرض شعرة الإنسان، ويمكنه أن يتوازن على الخطوط الدقيقة لبصمات الأصابع.

شريحة دقيقة على إصبع بشري

لماذا يُعد هذا الروبوت إنجازاً غير مسبوق؟

ما يجعل هذا الاختراع استثنائياً ليس حجمه فقط بل ما على ما يحتويه داخله. فبحسب الباحثين لم يسبق أن جرى دمج معالج إلكترون وذاكرة وحساسات ونظام حركة ومصدر طاقة في روبوت بهذا الحجم المتناهي الصغر.

ويؤكد الفريق البحثي أن هذا الروبوت ليس فقط أصغر روبوت في العالم؛ بل هو أول روبوت مبرمج ذاتياً بحيث يكون قادر على التحرك بشكل مستقل داخل السوائل. وذلك مع تقليص حجم التصاميم السابقة للروبوتات المشابهة بنحو 10 آلاف مرة.


كيف يعمل هذا الروبوت؟

مقارنة الروبوت بجانب التاريخ المطبوع على بنس واحد
للمقارنة؛ فإن هذا الروبوت يبدو أصغر حتى من التاريخ المحفور على قطعة نقدية معدنية من فئة البنس.

يعتمد الروبوت على خلايا شمسية دقيقة للغاية، تولّد طاقة لا تتجاوز 100 نانوواط فقط. وهي كمية من الطاقة ضئيلة جداً، ولكنها كافية لتشغيل معالجه وحساساته أثناء وجوده داخل السوائل.

ولا يقتصر دور الروبوت على الحركة، بل يمكنه قياس درجة حرارة السائل المحيط به، ثم إيصال هذه المعلومة بطريقة مبتكرة، عبر ما يشبه رقصة ميكروسكوبية، تحاكي أسلوب تواصل النحل عند تبادل المعلومات داخل الخلية.

وداخل هذا الروبوت تصبح الفيزياء مختلفة تماماً. فالدفع في الماء كما يصفه الباحثون يشبه الدفع داخل القطران. لذلك هذا الروبوت لا يمتلك أي أطراف متحركة، إذ يصعب تصنيعها وقد تنكسر بسهولة أثناء حركته.

وبدلاً من الأطراف يولّد الروبوت مجالاً كهربائياً يحرّك جزيئات السائل من حوله، فينشأ تدفّق للسائل يسمح له بالحركة، وكأنه يسبح في نهر هو نفسه من يصنع تيّاره.


لماذا ابتكار هذا الروبوت الدقيق يعتبر تحدياً صعباً؟

قبل هذا الإنجاز كانت أصغر الروبوتات القابلة للبرمجة يزيد حجمها على ميليمتر واحد، وهو إنجاز تحقق قبل أكثر من عشرين عاماً. ولم يقتصر الأمر فقط على الروبوتات بحد ذاتها بل على أجهزة طبية أيضاً ففي أبريل 2025م تمكن عدة مهندسين من جامعة نورث ويسترن من تطوير جهاز تنظيم ضربات القلب بحجم حبة أرز.

وبشكل محدد فإن تصغير حجم الروبوتات اصطدم بعقبة أساسية هي "قوانين الفيزياء على المقياس المجهري".
فعندما تصبح الأجسام صغيرة جداً، تتراجع أهمية الجاذبية والقصور الذاتي، وتصبح قوى اللزوجة والمقاومة هي المسيطرة. وهنا كان لا بد من إعادة التفكير كلياً في تصميم المحركات وبنية الدوائر الإلكترونية وطريقة البرمجة نفسها.


الروبوت نتيجة تعاون علمي فتح آفاقاً جديدة

ابتكار أصغر روبوت في العالم جاء نتيجة دمج ابتكارين حديثين نتجا عن تعاون جامعتي بنلسفانيا وميشغان
حيث تمكن باحثو جامعة ميشيغان من تطوير حاسوب مجهري فائق الصغر. بينما صمم فريق جامعة بنسلفانيا نظام دفع مبتكر.

مكونات الروبوتات الدقيقة
وبعد خمس سنوات من العمل المتواصل تم ابتكار أصغر روبوت في العالم، ليُقدّم كنموذج جديداً لما يمكن أن تكون عليه الروبوتات في المستقبل.


الروبوت يعمل أيضاً مع مجموعة كسرب من الأسماك

والأكثر إثارة في هذا الروبوت الدقيق أنه لا يعمل منفرداً فقط، بل يمكنه التزامن مع روبوتات أخرى، حيث يكوّن مجموعات متحركة معقّدة تشبه أسراب الأسماك في البحر قادة على التنسيق فيما بينها. ونظرياً يمكن لهذه المجموعات أن تعمل بشكل مستقل لعدة أشهر، طالما توفّر لها ضوء (حتى لو ضوء LED) من أجل شحن خلاياها الشمسية.

ولكن لا زالت غير قادرة على تنفيذ أوامر كبيرة حيث يطمح الباحثون مستقبلاً إلى زيادة سعة الذاكرة داخل هذه الروبوتات الدقيقة، ما يسمح ببرمجتها لتنفيذ سلوكيات أكثر تعقيداً وذكاءً.


هل يمكن ان ينتقل أصغر روبوت في العالم إلى داخل جسم الإنسان؟

السؤال الأكثر أهمية في استعراض هذا الروبوت هو إلى أين يمكن أن يصل هذا الابتكار؟
يتخيّل العلماء القائمون على المشروع مستقبلاً تُستخدم فيه روبوت مجهري كهذا لمراقبة صحة الخلايا داخل جسم الإنسان. فمثلاً يمكن استخدامه للمساعدة على اكتشاف الالتهابات أو حتى في توصيل الأدوية بدقة غير مسبوقة إلى المكان المطلوب علاجه داخل جسم الإنسان.

وقد يبدو هذا الطموح بعيداً اليوم، ولكن علينا أن لا ننسى أن كثيراً من التقنيات التي نعتبرها بديهية بدأت ذات يوم كأفكار غير قابلة للتصديق وأصبحت اليوم حقيقة، ولعلّ أبرزها هو الذكاء الاصطناعي.

يقول المهندس مارك ميسكين، أحد المشاركين في تطوير أصغر روبوت في العالم أنّ ما تحقق حتى الآن ليس سوى الفصل الأول من القصة.
فحين نتمكّن من وضع دماغ وحسّاس ومحرك داخل شيء لا يكاد يُرى بأعيننا، فإننا لا نصنع روبوتاً فقط، بل نفتح باباً كاملاً لمستقبل جديد من الروبوتات الدقيقة. فمن أصغر روبوت في العالم قد تنطلق أكبر التحوّلات القادمة.

إخـلاء المسـؤولـيـة

• يستند محتوى عربي Daily Post إلى منهجية تحريرية دقيقة تشمل التحقق من المعلومات وتحليلها والاعتماد على مصادر موثوقة. ويُقدَّم هذا المقال ضمن إطار المعرفة والإعلام العام، مع الإشارة إلى أنّ بعض الموضوعات المتخصصة قد تستلزم استشارة جهات مهنية مختصة. وقد تخضع بعض المعلومات المنشورة للمراجعة والتحديث وفق المستجدات العلمية أو التقنية المؤكدة.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.

المصادر والـمراجـع

تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
 دراسة منشورة بتاريخ 2025/12/10م في مجلة Science Robotics.
 مقال منشور بتاريخ 2025/12/27م في موقع Science Alert.

الإعـداد والتـدقـيـق

تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.

Aya Brimo
Aya Brimo