صعدت جزيرة جرينلاند إلى واجهة الأخبار العالمية بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي عبّر فيها عن نيته الاستحواذ على الجزيرة وضمها إلى الولايات المتحدة الأمريكية بطريقة أو بأخرى، وهو ما أثار دهشة واستغراباً واسعاً في الأوساط الدولية والإعلامية. ولكن خلف هذا الطرح غير المألوف تقف حقائق جغرافية واقتصادية واستراتيجية تجعل جرينلاند مطمعاً كبيراً للقوى العالمية لا بسبب حجمها أو تعداد سكانها بل لقيمتها المكانية والموارد الكامنة فيها.
لماذا ليست جزيرة جرينلاند مجرد أرض جليدية بعيدة؟
تؤثر جزيرة جرينلاند في النظام العالمي من أكثر من زاوية؛ فذوبان جليدها يغيّر من مستويات البحار وأنماط الطقس، وموقعها يجعلها حلقة وصل بين أمريكا الشمالية وأوروبا، بينما الموارد الطبيعية التي قد تصبح أكثر سهولة مع ذوبان الجليد تضعها في قلب الاستراتيجيات الاقتصادية الكبرى للدول الصناعية.
موقع جرينلاند ومساحتها وسكانها
جرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تزيد على 2.16 مليون كيلومتر مربع، لكنها قليلة السكان مقارنة بالحجم الهائل لهذه الأرض، إذ لا يتجاوز عدد سكانها ما يقارب 56 ألف نسمة يعيش معظمهم على طول السواحل الغربية والجنوبية للجزيرة.
![]() |
| موقع جزيرة جرينلاند على الخريطة |
تتمتع الجزيرة بحكم ذاتي في إطار سيادة مملكة الدنمارك، ولكنها ليست جزءاً من الاتحاد الأوروبي. وهذا الوضع يمنحها استقلالاً محلياً في قراراتها الداخلية لكن القضايا الكبرى كالدفاع والسياسة الخارجية تبقى جزءاً من الاتفاق بين الدنمارك وجرينلاند.
تغطي الجزيرة طبقة جليدية ضخمة تشغل نحو 80% من مساحتها، ويعتبر هذا الغطاء الجليدي أحد أهم العناصر في توازن المناخ العالمي لأنه يعكس الحرارة ويخزّن كميات هائلة من المياه المتجمدة.
معنى الاسم وتاريخ التسمية
رغم أن اسمها يعني الأرض الخضراء، إلا أن اللون الأبيض يغلب عليها معظم أيام السنة بسبب الجليد، وقد أُطلق عليها هذا الاسم منذ العصور الوسطى من قِبل المستكشف الإسكندنافي إريك الأحمر كنوع من التسويق الجغرافي لجذب المستوطنين نحو الأراضي الجديدة. وعلى الرغم من أن الجزيرة لم تكن خضراء بالفعل إلا أن الاسم بقي ملازماً لها حتى الآن.
ما سبب طمع ترامب والقوى الكبرى في جرينلاند؟
اهتمام ترامب بجرينلاند ليس مجرد فكرة عشوائية بل يتصل بثلاثة عوامل رئيسية:
الأول هو الموقع الاستراتيجي الذي يمنح لمن يحكم الجزيرة السيطرة على طرق الملاحة في القطب الشمالي.
والثاني هو القاعدة العسكرية الأمريكية في شمال الجزيرة المعروفة تاريخياً باسم ثول الجوية أو بيتوفيك. حيث توفر مراقبة استراتيجية للمنطقة وتاريخياً كانت بوابة مهمة للمراقبة خلال الحرب الباردة.
أما الثالث فهو الموارد الطبيعية المحتمل وجودها في الجزيرة، وتشمل معادن أرضية نادرة ضرورية لصناعة التكنولوجيا الحديثة كالسيارات الكهربائية والمعدات العسكرية وهي موارد باتت تحقق طلباً متزايداً على مستوى العالم.
وقد جرى الحديث في السنوات الأخيرة عن وجود كمية كبيرة من العناصر الأرضية النادرة في جرينلاند، كمعدن الليثيوم الذي يستخدم في تصنيع بطاريات الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وتوربينات الطاقة، كما أن هناك تقديرات بوجود معادن كالنحاس والنيكل والذهب.
ومع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي يصبح الوصول إلى هذه الموارد أسهل مما كان عليه في الماضي، وهذا يجعل الاستثمار فيها ذو جاذبية متزايدة لكن هذا لا يزال تحدياً لوجستياً واقتصادياً كبيراً بسبب البيئة القاسية وارتفاع تكاليف التشغيل.
الدور الدولي للجزيرة والتنافس بين القوى الكبرى
التحليلات العالمية ترى أن هذا النزاع حول جزيرة جرينلاند جزء من اللعبة الكبرى الجديدة في القطب الشمالي بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الاتحاد الأوروبي) بسبب التغيرات المناخية ومسارات الشحن الجديدة والموارد الطبيعية في المنطقة.
والاهتمام بالجزيرة ليس حديث العهد؛ فقد حدث في الماضي محاولات عديدة لشراء الجزيرة من قبل الولايات المتحدة، أبرزها عرض في عام 1946م من الرئيس هاري ترومان لكنه قوبل بالرفض من الدنمارك.
مؤخراً انطلقت جولة محادثات ثلاثية في واشنطن بين الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة لاحتواء التوتر الذي حدث بعد مطالبات ترامب حيث تشير الأنباء إلى تراجع احتمالات المواجهة العسكرية وأن هذه المحادثات تستهدف إيجاد صيغة سياسية للتعاون المستقبلي مع تأكيد احترام سيادة الدنمارك وجرينلاند
أهم ما يجب معرفته عن جزيرة جرينلاند
1. وادي قينغوا هو المكان الوحيد في الجزيرة الذي يحتوي على نباتات شجرية حقيقية في بيئة قطبية قاسية ويحميه الجبل من الرياح العاتية.
2. جرينلاند تضم أكبر حديقة وطنية في العالم، وهي منطقة برية ضخمة شمال شرق الجزيرة تغطي مساحات شاسعة من الطبيعة القطبية دون سكن دائم خارج الباحثين والعلماء.
3. لا توجد بطاريق في جرينلاند، فالبطاريق تتواجد في الغالب في نصف الكرة الجنوبي، بينما يعيش فيها حيوانات قطبية كالرنّة والثعلب والأرنب القطبي وغيرها.
4. من الأنهار الجليدية البارزة في الجزيرة نهر جاكوبسهافن الذي يولّد جبالاً جليدية ضخمة قد تعلق في مصبات الأنهار بسبب عمقها وضخامتها.
5. الذهب والماس يمكن العثور عليهما في بعض مناطق الجزيرة وقد بدأ بالفعل البحث عن الذهب في مواقع ضمن الجنوب الغربي للجزيرة.
6. بسبب ارتفاع درجات الحرارة الجليد في الجزيرة يتجه إلى الذوبان مما يفتح مخاطر بيئية وفرصاً اقتصادية محتملة ويثير قلق العلماء حول تأثيراته على ارتفاع مستوى البحار.
7. السكان المحليون غالباً ما يعتمدون اقتصادياً على صيد الأسماك ومهن تقليدية أخرى أكثر من التعدين حتى الآن وذلك بسبب صعوبة الظروف والتكلفة العالية للاستثمار الصناعي.
8. الجزيرة تشكل أيضاً نقطة تلاقي ثقافي تاريخي، إذ تشترك الهوية الثقافية لسكانها من الإنويت مع بيئات قطبية أخرى، وتعمل مجتمعاتها بطرق تقليدية متكيفة مع الظروف المناخية القاسية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• تصريحات رسمية صادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحليلات من مختلف وسائل الإعلام العالمية.
تم إعداد هذا المقال تم إعداد وتدقيق هذا الخبر بواسطة فريق عربي Daily Post وفق المعايير المهنية المعتمدة في العمل الإخباري، بما يضمن دقة المعلومات واتساقها التحريري قبل النشر.

