إن البحث عن مصادر طاقة مستقرة ونظيفة أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم اليوم، خاصة مع تزايد الطلب على الكهرباء والحاجة إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. وفي هذا السياق برز موضوع توليد الكهرباء من المد والجزر كأحد المصادر الواعدة التي تعتمد على ظاهرة طبيعية منتظمة يمكن التنبؤ بها بدقة.
حيث يمكن الحصول على الطاقة نتيجة التغيّر الدوري في مستوى مياه البحار والمحيطات بفعل قوى الجاذبية بين الأرض والقمر والشمس. وعلى عكس العديد من مصادر الطاقة المتجددة الأخرى تتميز هذه الظاهرة بثبات نسبي يجعلها قابلة للتخطيط والاستثمار على المدى الطويل.
ما هما ظاهرتي المد والجزر ولماذا تحدثان؟
المد والجزر هما ظاهرتان طبيعيتان تتمثلان في الارتفاع والانخفاض الدوري لمستوى سطح البحر بحيث يحدث المد عندما ترتفع المياه بينما يشير الجزر إلى انخفاضها.
السبب الرئيسي لهاتين الظاهرتين هو تأثير جاذبية القمر على مياه الأرض؛ حيث تسحب هذه الجاذبية المياه نحوها محدثة ارتفاعاً في مستوى البحر. ويضاف إلى ذلك أن الشمس تلعب دوراً ثانوياً في تعزيز هذه الظاهرة.
ونتيجة لذلك تحدث دورتان من المد والجزر يومياً في معظم مناطق العالم مما يجعلها ظاهرة منتظمة يمكن التنبؤ بها بدقة زمنية عالية.
كيف يتم توليد الكهرباء من المد والجزر؟
تعتمد عملية توليد الكهرباء من المد والجزر على استغلال حركة المياه الناتجة عن تغير مستوى البحر.
فيتم ذلك من خلال توجيه تدفق المياه عبر توربينات مائية مرتبطة بمولدات كهربائية. وعند مرور المياه عبر التوربين يتم دفع شفراته بالمياه فتؤدي إلى دورانه، مما يحوّل الطاقة الحركية للمياه إلى طاقة ميكانيكية ومن ثم إلى طاقة كهربائية.
يمكن تشغيل هذه التوربينات خلال مرحلتي المد والجزر مما يزيد من كفاءة النظام ويضمن إنتاجاً مستمراً نسبياً للطاقة.
أهم التقنيات المستخدمة في استغلال طاقة المد والجزر
![]() |
| توربينات محطة لارانس في فرنسا |
توجد عدة تقنيات رئيسية لتوليد الكهرباء من المد والجزر، تختلف حسب طبيعة الموقع الجغرافي أهمها:
1. السدود البحرية (Tidal Barrages): تعتمد التقنية على إنشاء سدود عبر الخلجان أو المصبات بحيث يتم التحكم بتدفق المياه من خلال بوابات وتوربينات.
2. توربينات التيارات البحرية (Tidal Stream): يتم تثبيتها تحت سطح الماء وتعمل بطريقة مشابهة لتوربينات الرياح حيث تدور بفعل التيارات الناتجة عن المد والجزر.
3. البحيرات الاصطناعية (Tidal Lagoons): عبارة عن منشآت ساحلية مغلقة جزئياً يتم فيها التحكم بحركة المياه لتوليد الطاقة بمرونة أكبر.
الفرق بين المد والجزر والأمواج
الكثير من الأشخاص يعتقدون أن حركة الأمواج على الشاطئ هي المد والجزر حيث يعتبر الخلط بين المد والجزر والأمواج من المفاهيم الشائعة.
ولكن هذا غير صحيح فالأمواج هي حركة سطحية للمياه تنتج بشكل أساسي عن تأثير الرياح وتتميز بعدم الانتظام والتغير السريع. أما المد والجزر فهما تغيّر شامل في مستوى سطح البحر يحدث نتيجة تأثير الجاذبية ويتسم بالانتظام والدورية وهذا الفرق الجوهري بالتحديد هو ما يجعل طاقة المد والجزر أكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بطاقة الأمواج.
مميزات طاقة المد والجزر
تتمتع هذه تقنية توليد الكهرباء من المد والجزر بعدة مزايا تجعلها خياراً مهماً ضمن مزيج الطاقة فهي أولاً مصدر طاقة متجدد ونظيف وهي ذات قابلية عالية للتنبؤ بالإنتاج وهي ذات عمر تشغيلي طويل للبنية التحتية. إضافة إلى أنها تنتج كثافة طاقة مرتفعة مقارنة ببعض المصادر الأخرى كالمحطات الحرارية لتوليد الكهرباء من درجة حرارة المحيطات.
التحديات والعيوب المتعلقة بـ توليد الكهرباء من المد والجزر
رغم مميزاتها التي ذكرناها إلا أن توليد الكهرباء من المد والجزر يواجه عدة تحديات أهمها:
• ارتفاع تكاليف الإنشاء والبنية التحتية ولكنها كما قلنا ذات عمر تشغيلي طويل.
• محدودية المواقع المناسبة جغرافياً فليست كل المواقع مناسبة.
• تأثيرات بيئية محتملة على النظم البحرية.
• تعقيد عمليات الصيانة في البيئة البحرية.
أمثلة على مشاريع حقيقية
![]() |
| محطة لارانس |
تم تطبيق هذه التقنية في عدة دول حول العالم، من أبرزها محطة La Rance في فرنسا التي تعتبر من أقدم محطات طاقة المد والجزر ويبلغ إنتاجها بين 500 إلى 600 GWh سنوياً حسب السنوات وظروف التشغيل. وهناك عدة مشاريع حديثة في المملكة المتحدة وكندا تعتمد على توربينات التيارات البحرية حيث تمثل طاقة المد والجزر أحد المصادر الواعدة للطاقة المتجددة نظراً لثباتها وإمكانية التنبؤ بها. ورغم التحديات التقنية والاقتصادية، فإنها تظل خياراً استراتيجياً يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
هل طاقة المد والجزر مجدية في المستقبل؟
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور بتاريخ 2018/11/13م في موقع MDPI.
• مقال منشور ضمن موسوعة Britannica.
• مقال منشور بتاريخ 2019/11/15م في موقع World Energy.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.


