حين تكلّف إنتاج الدقيقة الواحدة من الفيديو أضعاف ما تجنيه الشركة من مليون مستخدم يصبح النجاح الجماهيري خطراً وجودياً لا إنجازاً يُحتفى به وهذا بالضبط ما كشفته قصة سورا.
في نوفمبر عام 2024م عندما كشفت شركة أوبن إيه آي عن منصة سورا للمرة الأولى بدا المشهد أشبه بلحظة تاريخية فارقة. فقد كانت المقاطع المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي الواقع بدقة أذهلت المختصين قبل العامة ودفعت المنتج الأمريكي تايلر بيري إلى تجميد خطة توسعة استوديوهاته البالغة قيمتها 800 مليون دولار. فكان الشعور السائد آنذاك أن هوليوود تشهد أفول عصرها بسبب الذكاء الاصطناعي.
غير أن شركة أوبن إيه آي فاجأت الجميع في مارس 2026م بإعلان إغلاق منصة سورا نهائياً والتخلي عنه كلياً. ووفق ما أوردته مجلة فورتشن لم يكن هذا القرار سوى اعترافاً بأن النجاح الجماهيري الصاخب لم تتم ترجمته إلى نجاح تجاري بأي معنى حقيقي.
صعود مضلَّل لنموذج سورا
عند إطلاق تطبيق سورا للعامة حقق 100 ألف عملية تحميل في يومه الأول وهو رقم لافت بحد ذاته لا سيما أن التطبيق كان حصرياً على أجهزة آيفون ويقتصر على المستخدمين الأمريكيين الذين تصلهم دعوة لاستخدامه. وفي وقت قياسي تجاوز حاجز المليون عملية تنزيل متفوقاً على وتيرة شات جي بي تي ذاتها حين انطلق.
ولكن في الحقيقة كل هذه الأرقام كانت في معظمها وليدة زخم إعلامي منظَّم لا طلباً عضوياً حقيقياً؛ فقد أشعل سام ألتمان الشرارة حين شارك مقاطع مولَّدة باستخدام المنصة وانضمت وجوه مشهورة إلى حملة الإطلاق فخلقت موجة تنزيلات ضخمة. ولكن حين هدأت تلك الموجة لم يجد التطبيق ما يحتجز به المستخدمين؛ فانخفضت التحميلات الشهرية من 3.2 مليون في نوفمبر عام 2025م إلى 1.2 مليون في يناير عام 2026م أي بتراجع بلغ نسبة 63% في ستة أسابيع فقط.
النجاح الجماهيري في صناعة الذكاء الاصطناعي لا قيمة له إن لم يقترن بمعادلة تكلفة قابلة للاستدامة، وهذا هو الدرس الأقسى الذي دفعت سورا ثمناً باهظاً له.
الفرق الشاسع بين التكلفة والعائد
![]() |
| شعار منصة سورا |
ثمة رقمان يكشفان جوهر المأساة الاقتصادية لنموذج سورا بوضوح لا يحتمل التأويل؛ فتكلفة التشغيل اليومية تبلغ 15 مليون دولار بينما في المقابل لا تتجاوز العائدات مليوني دولار منذ إطلاقه!
وبالتالي فإن توليد مقاطع الفيديو بالذكاء الاصطناعي عملية تستنزف طاقة حوسبية هائلة دون أي جدوى اقتصادية، إذ تحتاج كل دقيقة مولَّدة إلى معالجات متخصصة تعمل لساعات متواصلة وفي مقابل هذا الجهد مقابل عائدها لا يذكر.
في تقرير لصحيفة فاينانشيال تايمز تم وصف الضغط الذي كان يمارسه سورا على بنية أوبن إيه آي التحتية بأنه كان استثنائياً وهذا أمر مؤكد. وقد أشار التقرير إلى أزمة ثنائية أولها شُح الطاقة الكهربائية اللازمة لمراكز البيانات وثانيها قلة الذواكر العشوائية المتقدمة المطلوبة لتشغيل نماذج توليد الفيديو. وفي ظل هذا الواقع كان استمرار سورا يعني ببساطة إنفاق موارد نادرة على منتج لا يدرّ دخلاً يبرر وجوده بالنسبة للمستثمرين به.
أسباب إغلاق سورا
إغلاق سورا يمكن تبريره بثلاث عوامل:
أولاً: انهارت قدرة سورا على الاحتفاظ بالمستخدمين بعد انتهاء زخم الإطلاق وهذا كشف أن الطلب كان مدفوعاً بالفضول لا بالحاجة الحقيقية.
ثالثاً: مواجهة أزمة الملكية الفكرية؛ فقد عجزت الشركة عن منع المستخدمين من توليد مقاطع تستخدم شخصيات محمية أو تمثل مشاهير متوفين كمايكل جاكسون وهو ما خلق تبعات قانونية خطيرة.
فإلى جانب أزمة التكاليف واجهت سورا تحدياً قانونياً لم تجد له حلاً ناجحاً. فقد دأب المستخدمين على توليد مقاطع تتضمن شخصيات محمية بحقوق الملكية الفكرية لاستوديوهات كبرى رغم قيام الشرحة بوضع ضوابط صارمة. وحين بلغت الأزمة ذروتها بمقاطع تجسّد مشاهير متوفين في مقدمتهم مايكل جاكسون كان على الشركة أن تختار بين أمرين أفضلهما سيء: فإما تضع قيود تتسبب بفقدان المنصة لقيمتها الإبداعية، أو تمضي قدماً مع تراكم المسؤوليات القانونية. ولم تُفضِ أي محاولات للتسوية ومنها الشراكة مع شركة ديزني إلى أي حل جذري للمشكلة.
إعادة رسم الخريطة: خدمة المؤسسات أهم من الترفيه
إغلاق منصة سورا لا يعتبر مجرد خسارة منتج؛ إنما إشارة إلى تحول استراتيجي عميق في توجه شركة أوبن إيه آي. حيث تكشف تقارير لـ وول ستريت جورنال أن الشركة تعيد توجيه بوصلتها نحو قطاع البرمجة والخدمات المؤسسية، مقتفية بذلك خطى منافستها شركة آنثروبيك التي باتت الخيار الأول للشركات التي تسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها التجارية.
الدرس الأكبر: لا يمكن أن نثق بما تقوله أرقام عمليات التنزيل
ثمة مغالطة شائعة في قياس نجاح منتجات الذكاء الاصطناعي تتمثل في الاعتماد على عدد التنزيلات والمستخدمين الأوائل مقياساً للحكم على المستقبل. وسورا خير مثال فقد كان في البداية صاحب نجاح خارق وخلف الكواليس أنتج كارثة اقتصادية تدريجية. وكل مليون مستخدم جديد كان يعني ضغطاً إضافياً على بنية تحتية تستنزف 15 مليون دولار يومياً دون أن تولِّد ما يقاربها من العائدات.
وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري تواجهه صناعة الذكاء الاصطناعي بأسرها: هل النماذج التوليدية للوسائط الثقيلة كالفيديو والصوت قادرة على بناء نموذج أعمال مستدام في المدى المنظور؟ أم أن التكاليف الحوسبية الهائلة ستظل لفترة طويلة عائقاً بنيوياً أمام أي محاولة لتحقيق ربحية حقيقية؟
منصة سورا لم تنتهي لأنها فشلت في جذب الناس إنما لأنها نجحت في جذبهم دون أن تجد طريقةً لتحويل هذا الجذب إلى دخل يتناسب مع ما أنفقته الشركة.
ما الذي تعنيه هذه التجربة لصناعة الذكاء الاصطناعي؟
تجربة سورا ستُدرَّس طويلاً في أروقة الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها تحذيراً صريحاً؛ فالانتشار الفيروسي ليس كافياً والضجيج الإعلامي سرعان ما يتبخر والمستخدم الذي جاء فضولاً سيرحل حين تتلاشى الإثارة. وما يبقى على المدى الطويل هو القيمة اليومية الحقيقية التي يقدمها للمستخدم مقارنةً بما يدفعه لقاءها. حيث تشير تقارير متعددة إلى أن أوبن إيه آي لا تزال تتحمل خسائر تشغيلية كبيرة رغم عائداتها المتنامية، وأن رهانها الأكبر اليوم هو إثبات أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون مربحاً قبل أن تطرح أسهمها في البورصة. وفي هذا السياق كان عليها أن تعترف بأن سورا رفاهية لا تستطيع تحمل نفقتها.
وحين نضع سورا في خانة الإخفاقات ينبغي أن نقرأ فشله بدقة؛ فهو لم يفشل في استقطاب الانتباه ولم يفشل تقنياً في توليد فيديوهات مذهلة. إنما فشل في تحويل الإعجاب إلى ولاء والولاء إلى إيرادات تغطي تكاليفه الباهظة. وفي سوق الذكاء الاصطناعي اليوم التكاليف الحوسبية هي من يحدد مصير الشركات قبل جودة المنتج. هذا الفشل وحده كافٍ لإطفاء أي نجم حتى لو كان يضيء السماء.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• تقرير منشور بتاريخ 2026/03/25م في موقع Fortune.
• مقال منشور بتاريخ 2026/03/26م في موقع Forbes.
• تقرير منشور بتاريخ 2026/03/25م في موقع Business Insider.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.


