في كل عام يُنتج العالم نحو 55 مليون طن من محاصيل الفول السوداني فيتم رمي جزء كبير من مخلفاتها أو يعاد تدويره في تطبيقات منخفضة القيمة لا تعكس إمكاناتها الحقيقية. ولكن مجموعة من الباحثين من جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية قرّروا إعادة النظر في هذه القشور المُهملة بطريقة مختلفة فكانت النتيجة اكتشافاً علمياً نشر في مجلة Chemical Engineering Journal Advances. وهو عن إمكانية تحويل هذه النفايات الزراعية إلى جرافين عالي الجودة دون الحاجة إلى مواد كيميائية وبتكلفة طاقة لا تتجاوز 1.30 دولار أمريكي لكل كيلوغرام.
الجرافين: المادة التي يتنافس العالم على إنتاجها
لإدراك أهمية هذا الاكتشاف لا بد من التعرّف أولاً على مادة الجرافين وسبب أهميتها القصوى.
الجرافين مادة تتألف من طبقة واحدة من ذرات الكربون مرتبة في شبكة سداسية تشبه قرص العسل، وهو أرقّ مادة معروفة في العلم بسماكة ذرة واحدة فحسب. ولكن هذا الرقة الاستثنائية لا تعني الهشاشة ابداً؛ فالجرافين أصلب بمئات المرات من الفولاذ وهو موصل للكهرباء والحرارة بكفاءة أعلى من النحاس إضافة إلى أنه شبه شفاف.
هذه الخصائص المتجمّعة في مادة واحدة جعلته محوراً لثورة صناعية قادمة تشمل بطاريات الجيل القادم وشاشات اللمس المرنة والحساسات الطبية والألواح الشمسية والترانزستورات الفائقة السرعة.
لهذا لم يكن مفاجئاً أن يُمنح مكتشفا الجرافين جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010م، وأن يستثمر الاتحاد الأوروبي أكثر من 1.16 مليار دولار في مبادرة (Graphene Flagship) لتسريع تطبيقاته الصناعية. وبحسب بيانات متعددة لأبحاث السوق تتراوح قيمة سوق الجرافين العالمي حالياً بين 500 مليون و1.6 مليار دولار أمريكي في عام 2025م ومن المتوقع أن يسجل معدلات نمو سنوية مركبة تتجاوز 20% حتى منتصف الثلاثينيات مدفوعةً بالطلب المتصاعد من قطاعات الإلكترونيات وتخزين الطاقة والسيارات الكهربائية.
العقبة الكبرى: التكلفة وأثر الإنتاج البيئي
على الرغم من كل هذه الإمكانات بقي الجرافين بعيداً عن التطبيق الواسع لسببين رئيسيين؛ التكلفة المرتفعة لإنتاجه والضرر البيئي المرافق لأشيع طرق تصنيعه. فالطريقة الأكثر انتشاراً حالياً لإنتاج الجرافين عالي الجودة هي الترسيب الكيميائي بالبخار (Chemical Vapor Deposition - CVD)، التي تُنتج طبقات موحّدة ونظيفة لكنها تعتمد على درجات حرارة عالية وغازات هيدروكربونية وتستلزم معدات باهظة الثمن.
ويصل سعر الجرافين المنتج بهذه الطريقة إلى أكثر من 10,000 دولار للكيلوغرام. وفي مرحلة الكربون الأسود التي تدخل فيها معظم الطرق التجارية الحالية تستخدم مواد كيميائية مشتقة في الغالب من الوقود الأحفوري كالنفط والغاز الطبيعي مما يزيد من الأثر الكربوني لعملية الإنتاج ويعقّد السعي نحو صناعة مستدامة.
وهنا تحديداً تكمن قيمة ما توصل إليه فريق جامعة نيو ساوث ويلز.
سر القشور: الليغنين الغني بالكربون
الخطوة الأولى في البحث كانت الإدراك بأن قشور الفول السوداني تحتوي على نسب عالية من الليغنين (Lignin)؛ وهو بوليمر طبيعي كربوني الطابع موجود في معظم النباتات. وهو المادة المسؤولة عن صلابة الخشب وجدران الخلية النباتية.
هذا الليغنين يعتبر خامة كربونية ممتازة يمكن نظرياً إعادة ترتيب ذراتها لتشكيل بنى جرافيتية. ولكن النظرية تختلف عن التطبيق فكان التحدي هو إيجاد الطريقة المثلى لاستخلاص هذا الكربون وتحويله إلى جرافين عالي الجودة بأقل قدر ممكن من الشوائب والعيوب.
التقنية: ومضة كهربائية تعيد رسم ذرات الكربون
اعتمد الفريق على تقنية التحفيز الحراري الفوري أو (Flash Joule Heating)، وهي عملية تعتمد على نبضة كهربائية قصيرة جداً ترفع درجة حرارة المادة إلى ما يزيد عن 3000 درجة مئوية خلال أجزاء من الثانية فحسب. وهذه الحرارة الهائلة المتولّدة في لمح البصر تعيد ترتيب ذرات الكربون لتتشكل في طبقات جرافيتية بما في ذلك طبقات جرافين متعددة.
غير أن الفريق اكتشف أن مفتاح جودة الجرافين الناتج لا يكمن في تقنية FJH وحدها إنما في مرحلة تحضير القشور قبلها. فأفضل نتيجة تحققت كانت عبر تسخين القشور أولاً عند نحو 500 درجة مئوية لمدة خمس دقائق لإزالة الشوائب وتحويل القشور إلى فحم نباتي كثيف الكربون وأفضل توصيلاً كهربائياً من القشور الخام. ثم تمرّ هذه المادة بمرحلة حرارية أعلى قصيرة قبل الوصول إلى تقنية FJH النهائية وتتمّ العملية بأسرها في نحو عشر دقائق.
أكثر ما يميز هذا الاكتشاف: الثلاثية الذهبية
تنبع أهمية هذا البحث في ثلاثة محاور متداخلة؛ الأول هو انعدام الحاجة إلى المواد الكيميائية، إذ تستغني الطريقة كلياً عن الكربون الأسود المستخرج من الوقود الأحفوري الذي تلجأ إليه الطرق التجارية الحالية. والثاني هو استهلاك الطاقة المنخفض؛ فبينما تستلزم طرق الإنتاج التقليدية طاقة ضخمة وعمليات معقّدة، تنتهي هذه العملية في أقل من ربع ساعة. والثالث هو التكلفة حيث تشير حسابات الفريق إلى أن كيلوغراماً واحداً من الجرافين يمكن إنتاجه بتكلفة طاقة لا تتجاوز 1.30 دولار وهو رقم مذهل قياساً بأسعار الجرافين عالي الجودة في السوق الحالية.
إلى جانب ذلك فإن توظيف النفايات الزراعية بدلاً من إهدارها أو حرقها يضيف بعداً بيئياً مضاعفاً تقليل انبعاثات الكربون المرتبطة بالتخلص من هذه المخلفات وتحويلها في الوقت ذاته إلى مادة صناعية ذات قيمة تقنية عالية.
القيود الراهنة وآفاق التوسّع
لا تدعي الدراسة أنها وصلت إلى الحل النهائي فالجرافين الناتج حتى الآن هو في الغالب متعدد الطبقات مرتبة بصورة توربوستراتية (turbostratic)، أي أن الطبقات غير متراصة بشكل مثالي كما في الجرافيت النقي، إن كانت هذه البنية تحتفظ بكثير من الخصائص المرغوبة. فضلاً عن ذلك يقدّر الفريق أن التوسّع التجاري للعملية سيستغرق ثلاث إلى أربع سنوات إضافية من التطوير والتحسين.
وعلى صعيد آخر يعتزم الفريق اختبار التقنية ذاتها على أنواع متعددة من الكتلة الحيوية العضوية كبقايا القهوة وقشور الموز وغيرها من النفايات العضوية التي قد تتوافر فيها كميات كافية من الكربون، وذلك بهدف تقييم مدى قابلية النهج للتطبيق الواسع النطاق في صناعات متعددة حول العالم.
قشور الفستق السوداني نموذج جديد في الصناعة المستدامة
ما يرسمه هذا البحث يتجاوز تقنية بعينها أو مادة واحدة فهو يعكس توجهاً متنامياً في العلوم التطبيقية نحو تحويل النفايات إلى موارد، لا باعتبارها خياراً أخلاقياً فحسب إنما بوصفها مساراً اقتصادياً واعداً قادراً على المنافسة. كمية 55 مليون طن من محاصيل الفول السوداني سنوياً تعني إمداداً نظرياً هائلاً من المواد الخام لمن يستطيع استثمارها، وهي موزعة جغرافياً في مناطق إنتاج زراعي كثيفة في آسيا وأفريقيا والأمريكتين.
وإن نجح التوسع التجاري لهذه الطريقة خلال النصف الثاني من العقد الحالي فقد نجد مكونات مشتقة من قشور الفول السوداني داخل بطاريات الهواتف الذكية أو في طبقات توصيل الأجهزة الطبية القابلة للارتداء أو في أغشية الطاقة الشمسية.
وبذلك يصبح ما كان نفاية يلقى على أرض المصنع ركيزةً في تكنولوجيا الغد.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور على موقع Science Direct.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.
