أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

آخر الأخبار

الحرارة تخترق المحيط المتجمد الجنوبي وتذيب الجليد

جليد يذوب في المحيط

لأعوام طويلة بدا لنا أن الجليد البحري الذي يحيط بالقارة القطبية الجنوبية كأنه استثناء نادر في قصة الاحترار العالمي، ولكن هذا المشهد تغيّر فجأة تقريباً بعد عام 2015م حين بدأت المساحة الجليدية بالانحدار بسرعة ثم وصلت عام 2023م إلى أدنى مستوى شتوي مسجل في عصرنا الحالي. والمقصود بالجليد البحري هنا هو مياه بحر متجمدة تتكوّن حول القارة كل شتاء لكنه ليس مجرد مشهد أبيض جميل؛ إنما هو عنصر أساسي في المناخ والحياة البحرية معاً.

واللافت في القصة أن العلماء لم يعودوا ينظرون إلى التراجع بوصفه مجرد تذبذب موسمي عابر؛ فالدراسة الجديدة المنشورة في مجلة (The Conversation) ترى أن ما حدث هو تحول في طريقة عمل المحيط المتجمد الجنوبي نفسه، وأن سلسلة من الرياح القوية وصعود المياه الدافئة والمالحة من الأعماق كانت وراء بدء الانهيار قبل أن يتحول الأمر لاحقاً إلى حلقة تغذية راجعة تُسّرع الذوبان بدل أن توقفه.

 

ما الذي يحدث تحت سطح المحيط؟

لفهم سبب انخفاض الجليد البحري في القطب الجنوبي لا يكفي النظر إلى السطح فقط ففي المحيط المتجمد الجنوبي كانت هناك لسنوات طبقات مائية متراكبة عبارة عن مياه سطحية أبرد وأخف تعلو مياه أدفأ وأكثر ملوحة في الأسفل.
وهذه الطبقات كانت تعمل كحاجز طبيعي يبطئ وصول الحرارة إلى السطح، ولكن الرياح الغربية القوية التي اشتدت بفعل ثقب الأوزون ثم لاحقاً بفعل انبعاثات الغازات الدفيئة بدأت تدفع المياه السطحية بعيداً وتسمح للمياه العميقة الصاعدة بالاقتراب من السطح.

فقمة تفتح فمها تحت الماء

وحين تصل الحرارة المختزنة في الأعماق إلى طبقة السطح تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فالماء الدافئ والمالح يذيب الجليد البحري ثم تجعل الملوحة الزائدة المياه السطحية أكثر كثافة وتميل إلى الخلط مع الماء الأدفأ أسفلها.
وهكذا يُفتح الطريق أمام مزيد من الحرارة للصعود وتصبح عملية تكوّن الجليد الجديد أصعب في كل موسم لاحق. هذا ما وصفه الباحثون على أنه انتقال إلى نظام جديد أكثر هشاشة وأقل قدرة على استعادة التوازن القديم.

 

لماذا انخفض الجليد البحري فجأة بعد 2015م؟

الدراسة الحديثة تقترح ثلاث مراحل واضحة حدثت في القطب الجنوبي؛ ففي المرحلة الأولى كانت الرياح الغربية الأقوى تهيئ المحيط المتجمد الجنوبي عبر رفع المياه الدافئة والمالحة إلى مستويات أقرب للسطح.
وفي المرحلة الثانية خصوصاً بين عامي 2015م و2016م أصبح الخلط العمودي أقوى؛ فبدأت حرارة المياه العميقة تصل مباشرة إلى الطبقة السطحية وتطلق فقدان الجليد خاصة في شرق القارة القطبية الجنوبية.
أما في المرحلة الثالثة ومع تقلص الجليد نفسه اشتعلت حلقة تغذية راجعة؛ فكلما قل الجليد زاد امتصاص المحيط للحرارة وتأخر تشكل الجليد في الخريف التالي.

وهنا تظهر نقطة مهمة جداً؛ فليس كل أنحاء القطب الجنوبي يتصرف بالطريقة نفسها فالدراسة تشير إلى أن التراجع في شرق أنتاركتيكا كان مدفوعاً بالأساس من الأسفل،أي من صعود الحرارة العميقة.
بينما لعبت العوامل الجوية والإشعاعية ومنها تغيّر السحب والإشعاع طويل الموجة دوراً أوضح في غرب أنتاركتيكا وهذا الاختلاف الإقليمي يفسر لماذا كان تراجع الجليد البحري في القطب الجنوبي معقداً ومربكاً حتى للفرق العلمية نفسها.

 

التقلبات بين عامي 2025م و2026م لا يشبه ما حدث عام 2023م

من السهل أن يظن البعض أن كل عام لاحق على 2023م كان أسوأ بالضرورة ولكن البيانات لا تقول ذلك بهذه البساطة.
فعام 2025م سجلت أدنى حد أدنى سنوي ثاني تقريباً لذوبان الجليد في القطب الجنوبي، بينما جاء حد عام 2026م قريباً من المتوسط التاريخي أكثر من كونه رقم قياسي جديد. هذا لا ينفي المشكلة، بل يؤكد أن الجليد البحري في القطب الجنوبي ما زال شديد التذبذب، مع بقاء الخلفية العامة بعد 2015 منخفضة ومقلقة.


لماذا يقلقنا هذا الذوبان أصلًا؟

أهمية الجليد في القطب الجنوبي لا تتعلق بالمنظر فقط فهو يعكس جزء من ضوء الشمس إلى الفضاء ويعمل كعازل بين المحيط والهواء ويؤثر في حرارة السطح وتبادل الأملاح والرياح والتيارات. كما أن المحيط الجنوبي يلعب دوراً ضخماً في تخزين الحرارة والكربون؛ إذ يصفه خبراء المناخ بأنه منطقة رئيسية ترتفع فيها المياه العميقة إلى السطح ثم تعود ككتل باردة كثيفة تغوص من جديد مما يساعد على حبس قدر كبير من الحرارة وثاني أكسيد الكربون بعيدًا عن الجو.

وعندما يذوب الجليد البحري أو يتقلص، يضعف هذا الدور فالمحيط يمتص حرارة أكثر بدل أن يعكسها وتصبح عملية تخزين الحرارة والكربون في الأعماق أقل كفاءة. وهذا يعني أن تراجع الجليد البحري في القطب الجنوبي ليس قضية محلية تخص طرف العالم الجنوبي فقط إنما سينعكس على توازن المناخ العالمي كله.

 

ماذا يعني ذلك للكائنات الحية في أنتاركتيكا؟

الجليد البحري في القطب الجنوبي يشكّل موطناً وحاضنة غذائية للكثير من الكائنات، فالطحالب تنمو على سطحه وتحته ثم تتغذى عليها كائنات صغيرة كالـ الكريل الذي يعتبر بدوره حلقة أساسية في السلسلة الغذائية لطيور البطريق والفقمات والحيتان والطيور البحرية.
لذلك فإن تقلص الجليد لا يغيّر درجة حرارة البحر فقط إنما يربك منظومة حيوية كاملة قامت لآلاف السنين على دورة موسمية دقيقة.

ثلاثة فراخ  من البطاريق مع بطريق كبير
تم إدراج طيور البطريق الإمبراطور رسمياً ضمن الأنواع المهددة بالانقراض اعتباراً من أبريل لعام 2026م، وتعيش هذه الطيور بشكل شبه كامل على الجليد البحري في القطب الجنوبي

وقد بدأت آثار ذلك تظهر بالفعل في بعض المستعمرات؛ إذ ارتبط انخفاض الجليد البحري بحالات نفوق واسعة لصغار بطريق الإمبراطور في بعض المواسم. ولهذا فإن استمرار التراجع على المدى الطويل قد يعيد رسم خريطة الحياة البرية في القارة البيضاء ويزيد الضغط على أنواع تعتمد اعتماداً مباشراً على الجليد من أجل التكاثر والغذاء والحماية.

 

هل وصل القطب الجنوبي إلى نقطة تحول؟

السؤال الكبير هنا هو: هل هذا مجرد تراجع حاد أم بداية تحول لا رجعة فيه؟
الإجابة العلمية الحالية أكثر حذراً من العناوين الصاخبة؛ فالباحثون يقولون أننا لسنا أمام انهيار نهائي محسوم بعد، لكنهم يرون أن النظام المناخي في القطب الجنوبي أصبح يتصرف بطريقة مختلفة وأن استمرار الانبعاثات قد يدفع الجليد البحري إلى مزيد من التراجع.
وفي المقابل قد تساعد زيادة الهطول أو ذوبان أكبر للأنهار الجليدية على إعادة جزء من الطبقات المائية إلى حالتها السابقة مما يعني أن المستقبل ما زال مفتوحاً علمياً لكنه غير مطمئن.

والأهم من ذلك أن المحيط المتجمد الجنوبي وحده لا يقرر مصير الجليد؛ فهناك تفاعل مستمر بين الرياح وحرارة المياه العميقة والملوحة والغيوم والثلج وفقدان الجليد نفسه.
وهذه المنظومة شديدة الحساسية لهذا يبدو أن ما يحدث اليوم ليس فصلاً واحداً في قصة المناخ إنما إعادة كتابة لقاعدة اللعبة كلها.

إخـلاء المسـؤولـيـة

• يستند محتوى عربي Daily Post إلى منهجية تحريرية دقيقة تشمل التحقق من المعلومات وتحليلها والاعتماد على مصادر موثوقة. ويُقدَّم هذا المقال ضمن إطار المعرفة والإعلام العام، مع الإشارة إلى أنّ بعض الموضوعات المتخصصة قد تستلزم استشارة جهات مهنية مختصة. وقد تخضع بعض المعلومات المنشورة للمراجعة والتحديث وفق المستجدات العلمية أو التقنية المؤكدة.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.

المصادر والـمراجـع

تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
 مقال منشور بتاريخ 2026/05/08م في مجلة The Conversation.

الإعـداد والتـدقـيـق

تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.