وقد أوضح باحثون من معهد العلوم والتكنولوجيا النمساوي (ISTA)، وهو أحد المراكز الأوروبية المتخصصة في أبحاث الفيزياء والمواد الكمومية المتقدمة، في دراسة جديدة أن هذا السلوك يرتبط بتقلبات مغناطيسية عرضية ضخمة في العينة.
ما هو مركب UTe2؟
UTe2 هو مركب مصنوع من اليورانيوم والتيلوريوم يصنَّف ضمن الموصلات الفائقة الفائقة. والموصل الفائق هو مادة تسمح بمرور التيار الكهربائي من دون أي مقاومة عندما تبرد إلى درجات منخفضة جداً.
وما يجعل مركب UTe2 مثيراً حقاً هو أن سلوكه لا يشبه معظم الموصلات الفائقة التي تموت عادةً تحت المجال المغناطيسي إنما يبدو أنه يعود مجدداً ليعمل كموصل فائق مجدداً في ظروف أعنف.
لماذا جذب انتباه العلماء إلى هذا الحد؟
لأن هذا المركب يدخل في ما يُسمى التوصيل الفائق العائد أو (reentrant superconductivity)؛ أي أنه يفقد حالته فائقة التوصيل عند نحو 10 تسلا، ثم يستعيدها من جديد عند مجالات أعلى بكثير بين 40 و70 تسلا.
علماً أن 70 تسلا رقم ضخم لأن أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الموجودة في المستشفيات تعمل عادةً بقوة تتراوح بين 1.5 و3 تسلا فقط وحتى الأجهزة الطبية المتطورة نادراً ما تتجاوز 7 تسلا. بينما استطاع مركب UTe2 استعادة التوصيل الفائق تحت مجال يصل إلى 70 تسلا أي أقوى بعشرات المرات من المجال المستخدم لفحص جسم الإنسان داخل أجهزة الرنين المغناطيسي.
وهذه نقطة جوهرية لأن المجال المغناطيسي عادةً يدمّر التوصيل الفائق بدل أن يعيده وقد وصف الباحثون هذا السلوك بأنه غير عادي حتى بمعايير الموصلات الفائقة غير التقليدية.
يعود المركب إلى التوصيل الفائق بعد أن يفقده لأن تقلبات مغناطيسية عرضية قوية داخل المادة تساعد على ربط الإلكترونات من جديد عند الحقول الكبيرة.
ولفهم هذا السلوك الغريب داخل مركب UTe2 على مستوى دقيق لجأ العلماء إلى تحليل ما يحدث داخل بنيته البلورية.
كيف فهم العلماء ما يحدث داخل البلورة؟
الفريق النمساوي استخدم طريقة قياس جديدة تقوم على تثبيت عينة صغيرة جداً على ناتئ دقيق ثم هزّها بشكل متحكم به داخل المجال المغناطيسي النبضي. وبهذا الشكل تبدو البلورة وكأن اتجاه المجال يتذبذب أمامها، مما يسمح بدراسة الاستجابة المغناطيسية العرضية في ظروف لم تكن متاحة سابقاً. وقد تمكّنوا من الوصول إلى مجالات تصل إلى 60 تسلا خلال عُشر ثانية تقريباً.
ما الذي وجدوه بالضبط داخل البنية البلورية؟
وجدوا منطقة ذات قابلية تمغنط مستعرض قوية جداً، ويبدو أنها تعمل كـ غراء يربط الإلكترونات ببعضها وهو ما يساعد على تفسير عودة التوصيل الفائق تحت الحقول العالية. وبعبارة أبسط بدل أن تكون المغناطيسية عدواً للتوصيل الفائق هنا فهي جزء من القصة نفسها.
وهذا ما يجعل مركب UTe2 مختلفاً عن الموصلات الفائقة التقليدية التي تُفسَّر عادةً عبر اهتزازات الشبكة البلورية فقط.
لا يحدث هذا التوصيل الفائق العائد إلا في اتجاهات محددة جداً
هذه النقطة مهمة جداً فالتوصيل الفائق العائد في مركب UTe2 لا يظهر في أي اتجاه عشوائي للمجال، إنما ضمن نافذة اتجاهية ضيقة جداً داخل البلورة، وتحديداً قرب المحور b بحسب ما تذكره الورقة العلمية والملخّص الصحفي. هذا يعني أن الزاوية التي يُطبَّق بها المجال ليست تفصيلاً ثانوياً فقط بل جزء أساسي من الظاهرة نفسها.
لماذا كانت النتائج السابقة متضاربة أحياناً؟
جدير بالذكر أن مركب UTe2 شديد الحساسية أيضاً لجودة العينة نفسها فقد أوضح بحث سابق أن اختلافات صغيرة جداً في التركيب كـ وجود نحو 4% من فراغات اليورانيوم قد تغيّر خصائص التوصيل الفائق بشكل واضح، وتبدّل عدد التحولات فائقة التوصيل التي تظهر في العينة.
وهذا يفسّر لماذا بدا مركب UTe2 متقلباً من مختبر إلى آخر ولماذا يحتاج الباحثون إلى عينات فائقة النقاء وأدوات دقيقة للغاية.
يقودنا ذلك إلى نقطة مثيرة أخرى؛ ففي عام 2025م ظهرت أيضاً دراسات عن هالة فائقة التوصيل تحت تأثير الحقول الكبير في مركب UTe2، مما يؤكد أن هذا المركب ليس مجرد حالة واحدة غريبة، إنما منظومة كاملة من الحالات الكمومية المتجاورة.
ما الذي يعنيه هذا خارج المختبر؟
حتى الآن لا يعني هذا أننا على وشك صناعة قطار يطير بالمغناطيس من مركب UTe2 غداً. لكن قيمة هذا الاكتشاف تكمن في أنه يوسّع فهمنا لكيفية نشوء التوصيل الفائق من الأساس خاصةً في المواد غير التقليدية.
وككلما فهم العلماء هذه الحالات الغريبة أكثر اقتربوا من تصميم مواد جديدة قد تفيد في الإلكترونيات المتقدمة أو الحوسبة الكمومية أو تقنيات الحقول الكبيرة في المستقبل.
لماذا يوصف مركب UTe2 بأنه غير تقليدي إلى هذا الحد؟
لأن سلوكه لا ينسجم مع الصورة البسيطة للموصلات الفائقة؛ فهو مادة ثقيلة الفيرميونات، ويُشتبه منذ سنوات في أنه قد يحمل أزواجاً إلكترونية من نمط spin-triplet، كما أن استجابته للمجال المغناطيسي زاويّة وحساسة ونادرة. أي وباختصار نحن لا نتعامل مع مادة شاذة فقط، إنما مع مادة تكشف أن القاعدة نفسها قد تكون أبسط من الواقع.
وبخلاصة الكلام.. مركب UTe2 ليس مجرد بلورة صغيرة تتصرف بغرابة، إنما هو نافذة مهمة على عالم التوصيل الفائق غير التقليدي. فهذا المركب يستعيد حالته فائقة التوصيل عند مجالات مغناطيسية هائلة، ويفعل ذلك بطريقة مرتبطة بحساسية اتجاه المجال وبالتقلبات المغناطيسية داخلها. ومع كل دراسة جديدة يبدو أن هذا المركب لا يقدّم جواباً واحداً، بل سلسلة من الأسئلة الأعمق حول كيفية عمل المواد الكمومية أصلاً.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور بتاريخ 2026/04/29م في مجلة Nurture Communications.
• مقال منشور بتاريخ 2026/05/08م في موقع Interesting Engineering.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.