قد يبدو التثاؤب حركة بسيطة نكررها عشرات المرات يومياً دون تفكير؛ نفتح أفواهنا ونستنشق الهواء بعمق ثم نطلق زفيراً بطيئاً. لكن خلف هذا التصرف البديهي يكمن صراع علمي دام قروناً طويلة؛ فمنذ عهد أبقراط في القرن الرابع قبل الميلاد كنا نسأل أنفسنا لماذا نتثاءب؟!
وقد ساد اعتقاد منذ ذاك الحين بأن التثاؤب ليس إلا محاولة لطرد الهواء الفاسد من الرئتين، لكن العلم الحديث قلب الطاولة على هذه المفاهيم التقليدية ليكشف لنا أن التثاؤب هو أحد أكثر السلوكيات تعقيداً وغموضاً في تاريخ التطور البشري.
خرافة الحاجة إلى الأكسجين
لسنواتٍ طويلة كنا نُخبر الأطفال والكبار على حد سواء أن التثاؤب هو نداء الدماغ للحصول على مزيد من الأكسجين إلا أن دراسة مرجعية نشرتها مجلة Science Direct تؤكد أن هذه النظرية تفتقر تماماً إلى الأدلة التجريبية.
بل في الحقيقة إن التجارب أثبتت أن استنشاق جرعات عالية من الأكسجين أو حتى التعرض لثاني أكسيد الكربون لم يغير من معدل التثاؤب لدى أي من المتطوعين نهائياً.. إذاً الأمر لا يتعلق بالرئتين أبداً إنما بشيء أكثر عمقاً وحساسية داخل الجمجمة.
تبريد الدماغ: فرضية التوازن الحراري
تعتبر نظرية تنظيم درجة حرارة الدماغ من أقوى الفرضيات العلمية المطروحة حالياً فالدماغ البشري يعمل كمعالج فائق القوة وارتفاع درجة حرارته ولو بجزء بسيط قد يؤثر سلباً على أدائه واستقراره.
وهنا يأتي التثاؤب كعملية تبريد مفاجئة؛ حيث يعمل الشهيق العميق على إدخال هواء بارد نسبياً مما يساعد في خفض حرارة الدم المتجه إلى الدماغ.
وهذه النظرية في الحقيقة تفسر بوضوح لماذا نتثاءب غالباً في البيئات الدافئة أو عند الشعور بالإرهاق الشديد حيث يميل الدماغ حينها إلى السخونة.
عدوى التثاؤب: عندما يتحدث التعاطف
إن تثاءبت الآن بمجرد قراءة الجملة فلا تعتقد أن هذا الأمر كان مصادفة؛ إنما هو عدوى اجتماعية فالتثاوب معدي حقاً..
يوضح الخبراء أن التثاؤب لدى البشر وبعض أنواع الثدييات المتقدمة كالشمبانزي يرتبط بظاهرة المحاكاة العصبية ويرى العلماء أن القدرة على التقاط التثاؤب من الآخرين هي مؤشر قوي على قوة التعاطف (Empathy) والروابط الاجتماعية.
عند الشعور بالملل ينخفض مستوى اليقظة وترتفع درجة حرارة الدماغ قليلاً؛ لذا يعمل التثاؤب كمنبه طبيعي لإعادة تنشيط الدماغ ومحاولة إبقائه في حالة تأهب قصوى.
والأشخاص الذين يمتلكون مهارات اجتماعية عالية هم أكثر عرضة لعدوى التثاؤب بينما تنخفض هذه النسبة لدى من يعانون من اضطرابات تؤثر على التواصل الاجتماعي. وهو باختصار تنسيق سلوكي غير واعٍ يهدف لضبط توقيت اليقظة والانتباه داخل المجموعة الواحدة.
التثاؤب من الرحم إلى الشيخوخة
المثير للدهشة أن التثاؤب ليس سلوكاً مكتسباً إنما هو غريزة أصيلة تبدأ مبكراً جداً. فقد رصدت أجهزة التصوير رباعي الأبعاد الأجنة داخل الأرحام وهم يتثاءبون بوضوحٍ تام. ولا يقتصر الأمر على البشر؛ فالأسماك والطيور والزواحف تتثاءب أيضاً، مما يشير إلى أن هذه الوظيفة قديمةٌ جداً من الناحية التطورية، ولها فوائد بيولوجية تتجاوز مجرد الشعور بالنعاس أو الرغبة في النوم.
كيمياء الدماغ: ماذا يحدث في الداخل عند التثاؤب؟
عملية التثاؤب ليست مجرد حركة ميكانيكية فقط فهي انفجار كيميائي صغيرٌ داخل الجهاز العصبي حيث تساهم مجموعة من الناقلات العصبية في تحفيز هذه العملية ومن أهمها:
1. الدوبامين الذي يعمل كشرارة البدء والتحفيز.
2. الأوكسيتوسين المعروف بهرمون الروابط الاجتماعية وهو المسؤول عن جعل التثاؤب معدياً.
3. أكسيد النيتريك الذي يلعب دوراً محورياً في نقل الإشارات العصبية المحفزة لعضلات الفم والحجاب الحاجز.
متى يصبح التثاؤب خطيراً؟
في سياقٍ متصل حذر أطباء الأعصاب مؤخراً من ظاهرة التثاؤب المرضي فبينما يُعتبر التثاؤب الطبيعي علامة صحية إلا أن التثاؤب المفرط (أكثر من 10-15 مرة في الساعة دون سبب واضح) قد يكون مؤشراً على اضطرابات عصبية كمرض التصلب المتعدد (MS) أو حتى قد يكون علامة مبكرة على نوبات الصرع أو مشاكل في تنظيم ضغط الدم الشرياني.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور بتاريخ 2010/07/08م في مجلة Science Direct.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.


