قد يبدو العنوان للوهلة الأولى كأنه جزء من فيلم خيال علمي أو ربما مجرد كلام فكيف يمكن أن نشعل حريقاً في بيئة (القمر) تفتقر إلى الأكسجين اللازم لتتم عملية الاحتراق؟ السؤال منطقي ولكن في الحقيقة وكالة الفضاء الأمريكية ناسا تخطط فعلياً للقيام بذلك، ليس من أجل الدمار إنما بهدف فك شيفرة أحد أخطر التحديات التي ستواجه البشر في مستعمراتهم المستقبلية على سطح القمر.
المهمة FM2: مختبر ملتهب فوق سطح القمر
تستعد وكالة ناسا لإجراء تجربة تدعى قابلية اشتعال المواد على سطح القمر (FM2) ضمن مهام خدمة الحمولة القمرية التجارية. هذه التجربة ليست عادية إنما هي محاكاة دقيقة ستُجرى داخل حجرة معزولة ومحكمة الإغلاق، حيث سيتم إشعال أربع عينات من الوقود الصلب لمراقبة سلوك اللهب في بيئة الجاذبية الجزئية.
خدمة الحمولة القمرية التجارية هي خدمة توصيل (Delivery) فضائية، تعاقدت فيها ناسا مع شركات خاصة لنقل معداتها إلى القمر، فبدلاً من أن تبني ناسا مركبات هبوط لكل تجربة أصبحت تستأجر مساحة على مركبات شركات خاصة (كـ SpaceX أو Intuitive Machines) لإرسال أدواتها.
وهنا قد تسأل نفسك السؤال الأهم؛ كيف ستشعل ناسا حريقاً ولا يوجد أكسجين على القمر؟ في الواقع الحريق سيتم داخل حجرة مغلقة ومعزولة مزودة بكمية محددة من الأكسجين والوقود، وذلك لضمان عدم حدوث أي تسرب أو خطر على البيئة القمرية.
طبعاً التجربة ستكون آمنة وصغيرة جداً ومحكومة تقنياً داخل مركبة الهبوط والهدف منها هو جمع البيانات العلمية فقط ولا يمكن رؤيتها أو رصدها من سطح الأرض أبداً.
يشعر العلماء بقلق شديد من إشعال النار على سطح القمر
على كوكب الأرض نحن نفهم النار جيداً؛ فالجاذبية تدفع الغازات الساخنة للأعلى وتجذب الأكسجين للأسفل مما قد يؤدي أحياناً إلى انطفاء النار ذاتياً ولكن على سطح القمر تتغير القواعد تماماً حيث يحدث احتراق بطيء ومستمر والجاذبية الضعيفة تجعل حركة الهواء بطيئة جداً مما يسمح للأكسجين بالتدفق بهدوء نحو اللهب، وهو ما يجعله يحترق لفترات طويلة جداً دون أن ينطفئ.
يضاف إلى ذلك أن المواد التي نصنفها على الأرض بأنها آمنة أو مقاومة للحريق قد تصبح وقوداً سهلاً في بيئة القمر، مما يضع معايير السلامة الحالية تحت تحدي كبير.
وأهم أمر مقلق أنه في الفضاء لا يوجد أعلى أو أسفل لذا فإن النار لا تتخذ الشكل المخروطي المعتاد حيث قد تنتشر ككتل كروية يصعب التنبؤ بمسارها.
سيتم اختبار أربع عينات من الوقود الصلب تشبه المواد المستخدمة في بناء المركبات الفضائية والمعدات، وذلك لرصد مدى سرعة انتشار اللهب فيها.
ما الغاية من إشعال حريق على سطح القمر؟
إن إشعال حريق على سطح القمر عبارة عن جسر علمي تسعى وكالة ناسا من خلاله لربط النظريات بالواقع، فالاختبارات التي تُجرى على الأرض لمدة ثوانِ معدودة في أبراج السقوط الحر لا تكفي لفهم الأضرار طويلة المدى.
بينما ستوفر مهمة FM2 بيانات تستمر لدقائق كاملة يتم رصدها عبر كاميرات متطورة وأجهزة استشعار للأكسجين والإشعاع.
وهذه البيانات ستكون هي المرجع الأساسي لتصميم ديكورات ومواد لبناء المساكن القمرية الخاصة ببرنامج مهمات أرتميس إلى القمر، لضمان عدم تحول هذه المساكن إلى مصيدة نيران للرواد.
هل ستتغير معايير ناسا للسلامة؟
لسنوات طويلة اعتمدت وكالة ناسا على اختبار (NASA-STD-6001B) الذي يُجرى على الأرض. ولكن مع التخطيط لوجود طاقم دائم على القمر أصبح من الضروري تحديث هذه المعايير. وستكون نتائج إشعال حريق على سطح القمر هي من يحدد بشكل نهائي أنواع الأقمشة والبلاستيك والمواد التقنية التي سيُسمح لها بمغادرة الأرض باتجاه قواعدنا المستقبلية.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• مقال منشور بتاريخ 2026/04/21م في مجلة Science Alert.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.
