في أبريل 2026م انتشر خبرٌ يمسُّ مئات الآلاف من السوريين في دمشق وحلب بشكلٍ مباشر فوزارة الأوقاف في الحكومة السورية أعلنت نيتها استعادة عقارات وأسواق تاريخية تعود إلى العهد العثماني، معتبرةً إياها أوقافاً شرعية. وقد أثار هذا الإعلان نقاشاً حاداً بين من يراه تصحيحاً لفساد ساد لعقود وبين من يخشى أن يتحول ملّاكٌ مسجلون في الطابو إلى مجرد مستأجرين.
ما هي أملاك الوقف التي تتحدث عنها الوزارة؟
أكد معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف سامر بيرقدار أن الوزارة تعمل على استرجاع أملاك مسجلة في الأرشيف العثماني ومن أبرز الأمثلة عند هذه الأملاك:
- سوق الحميدية في دمشق (جزء كبير منه يُقدر بنحو النصف).
- سوق مدحت باشا وسوق البزورية في دمشق.
- ساحة سعد الله الجابري في حلب.
- حوالي 18 ألف عقار في حلب و10 آلاف في دمشق بالإضافة إلى آلاف أخرى في باقي المحافظات.
ويبلغ إجمالي العقارات الوقفية المسجلة في سوريا نحو 33-34 ألف عقارٍ كانت إيراداتها في عهد النظام السابق لا تتجاوز 1.6 مليون دولار سنوياً وهو رقم ضئيل جداً مقارنةً بقيمتها الحقيقية.
لماذا الآن؟ الخلفية التاريخية لنظام الوقف
يعود مفهوم الوقف إلى الإسلام وقد ازدهر في العهد العثماني كوسيلة لتمويل المساجد والمدارس والخدمات العامة فبعد الفتح العثماني لبلاد الشام عام 1516م سُجلت بعض الأراضي والمباني كأوقافٍ خيريةٍ وبنيت أسواق كسوق الحميدية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني وتم تحويلها إلى وقف لأغراض خيرية دائمة.
ومع سقوط الدولة العثمانية ثم الانتداب والاستقلال تحولت معظم هذه العقارات إلى ملكيات خاصة مسجلة في السجل العقاري السوري الحديث (الطابو). واليوم تنوي الوزارة العودة إلى الوثائق العثمانية الأصلية لإعادة تصنيف بعضها.
كيف تحول الوقف إلى ملكية خاصة عبر التاريخ؟
رغم أن الوقف في الشريعة الإسلامية (وبخاصة المذهب الحنفي) يُعتبر حبساً دائماً للرقبة على جهة خيرية ولا يجوز بيعه أو توريثه، إلا أنه تحول تدريجياً إلى ما يشبه الملكية الخاصة عبر آليات عدة.
أبرزها عقود الإيجار الطويلة الأمد التي كانت تُمنح لمدد تصل إلى 99 سنة أو أكثر (نظام الحكر) حيث يحصل المستأجر على حق انتفاع قوي يسمح له بالبناء والتطوير والبيع والتوريث الفعلي. ومع صدور قانون الأراضي العثماني عام 1858م وظهور السجل العقاري الحديث (الطابو) تم تسجيل هذه الحقوق كملكيات خاصة.
ثم جاءت مرحلة الانتداب الفرنسي والاستقلال فأصدرت الدولة مراسيم حوّلت بعض حقوق الوقف إلى عوائد مالية رمزية فقط مما مكّن الشاغلين من التصرف في العقار كأنه ملكهم. وفي عهد البعث ازدادت عملية التحويل عبر عقود إيجار طويلة بأسعار زهيدة لصالح مقربين من النظام حتى أصبحت آلاف العقارات مسجلة في الطابو السوري الحديث كملكيات خاصة بيعت وورثت عشرات المرات.
وهكذا نشأ التعارض الحالي؛ فلوثائق العثمانية القديمة لا تزال تُظهر أنها وقف بينما السجل العقاري السوري يحمي الملكية الخاصة المسجلة حديثاً.
هدف الوزارة: تفكيك الفساد وإعادة الوقف إلى أصله
ترى الوزارة أن النظام السابق نهب عائدات الوقف لعقود فكانت بعض العقارات تُؤجر بأسعار رمزية لمقربين من عائلة الأسد والآن تسعى إلى رفع قيمة الإيجارات إلى مستوى السوق عبر التفاوض مع الشاغلين الحاليين (إما تسوية أو إخلاء) وذلك عبر الحصول على نسخة كاملة من الأرشيف العثماني عبر التواصل مع رئاسة الشؤون الدينية التركية (ديانات) لإعادة توجيه الإيرادات لخدمة المساجد والمدارس والأعمال الخيرية.
وقد سبق أن نجحت الوزارة في استعادة مجمع يلبغا ومدينة الألعاب في دمشق ووقف القطط قرب الجامع الأموي بالإضافة إلى فسخ مئات العقود المشبوهة.
مخاوف المواطنين: هل الملكية الخاصة في خطر؟
يخشى كثير من الملاك والتجار أن يتحولوا فجأة إلى مستأجرين رغم أنهم اشتروا العقارات بأموالهم وورثوها عبر أجيال وسجلوها في الطابو السوري. حيث يصف البعض الخطوة بـ تهديدٍ للاستقرار الاقتصادي والبعض يصف الخطوة بأنها تهدف إلى بيع دمشق وحلب.
وبات النقاش يدور حول نقطة جوهرية تتثمل في معرفة أيهما يحكم اليوم؟ الوثائق العثمانية القديمة أم السجلات الرسمية الحديثة؟ ففي القانون السوري الحالي الملكية الخاصة محمية لكن الوزارة ترى أن بعض التسجيلات السابقة كانت غير شرعية.
ما الذي ينتظر السوريين في المرحلة المقبلة؟
ستستمر الوزارة في مراجعة العقود ودعوة المستأجرين للتفاوض والنتيجة المتوقعة هي مزيج من التسويات الودية وربما بعض الإخلاءات أو التعويضات ونجاح الخطوة يعتمد على الشفافية والحفاظ على الثقة العامة في مرحلة إعادة الإعمار الحساسة.
أسئلة شائعة حول وزارة الأوقاف في سوريا
هل كل عقارات دمشق وحلب أصبحت وقفاً؟
لا، فالوزارة تتحدث عن عقارات محددة مسجلة تاريخياً كوقف وليس كل العقارات.هل يمكن للملاك الحاليين الاحتفاظ بعقاراتهم؟
نعم في معظم الحالات من خلال تسويات إيجار جديدة بأسعار السوق فالإخلاء ليس الخيار الأول.ما دور الأرشيف التركي في الموضوع؟
تطلب الوزارة نسخة من السجلات العثمانية لتحديد مواقع الأوقاف بدقة.هل هناك تأثير فوري على الإيجارات؟
بدأت عملية إعادة تقييم الإيجارات لتصل إلى القيمة السوقية الحقيقية.من يستفيد من عائدات الوقف بعد الاستعادة؟
ستُوجَّه العائد لتمويل المساجد والمدارس والخدمات الاجتماعية العامة.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• تصريحات معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار على الإخبارية (أبريل 2026م) بشأن الأرشيف العثماني وسوق الحميدية وآلاف العقارات في دمشق وحلب.
تم إعداد وتدقيق هذا الخبر بواسطة فريق عربي Daily Post وفق المعايير المهنية المعتمدة في العمل الإخباري، بما يضمن دقة المعلومات واتساقها التحريري قبل النشر.
