في تطور جيولوجي أثار دهشة الأوساط العلمية كشفت تقارير حديثة عن تسارع مخيف في انشقاق القشرة الأرضية بمنطقة عفر شمال شرقي إثيوبيا.
فالأرض التي كانت تتحرك ببطء شديد طوال عقود قررت فجأة أن تختصر الزمن لتسجل إزاحة قدرها 60 سنتيمتر خلال ثلاثة أشهر فقط وهو معدل كان يستغرق في السابق أكثر من قرن كامل ليتحقق.
لنتخيل أنك تُمسك بمسطرة خشبية وتحاول سحب طرفيها ببطء شديد؛ المسطرة هنا لن تنكسر فوراً ولن ترى شيئاً بعينيك يحدث لها إلا أنها ستتمدد بمقدار ضئيل جداً لا تلاحظه العين المجردة، وبمجرد توفر قوة ضغط إضافية سيحدث شرخ مفاجئ وعنيف يجعلها تنكسر إلى قطعتين.
وهذا التشبيه البسيط هو ما يجسد حرفياً التمزق الأرضي وحركة الأرض السريعة التي تجاوزت كل الحسابات الجيولوجية السابقة.
منطقة عفر: نقطة التقاء الصفائح التكتونية
تقع منطقة عفر عند نقطة التقاء فريدة لثلاث صفيحات تكتونية كبرى: الصفيحة العربية والصفيحة الأفريقية والصفيحة الصومالية.
وفي الحالات الطبيعية تتحرك هذه الصفائح مبتعدةً عن بعضها البعض بمعدل هادئ يتراوح بين 5 إلى 20 ميليمتر سنوياً.
إلا أن دراسة حديثة نشرتها مجلة جيوفيزكال جورنال إنترناشونال كشفت عن تحول وقع بين ديسمبر 2024م ومارس 2025م ففي غضون 90 يوماً فقط تباعدت الأرض بمقدار 60 سنتيمتراً كاملةً؛ وهو معدل إزاحة كان من المفترض أن يستغرق تحقيقه جيولوجياً نحو 120 عاماً لكنه حدث في طرفة عين من عمر الزمن الجيولوجي.
حقن الدايك: الإسفين الذي يمزق الأرض
لم يكن هذا التوسع المفاجئ مجرد صدفة إنما كان نتيجة عملية حركية تُعرف باسم حقن الدايك الصهاري. والدايك هو كسر رأسي ضخم (شق تكتوني) في القشرة الأرضية تندفع داخله الماغما من الأعماق.
وفي هذه الحالة اندفعت الصهارة في شق يمتد بطول 50 كيلومتراً تحت سطح الأرض وتحديداً في المسافة الواصلة بين بركان فنتالي وبركان دوفن.
حيث عملت هذه الصهارة المندفعة كـ إسفين فولاذي ضخم يدفع جانبي القشرة الأرضية بعيداً عن بعضهما بقوة جبارة وفي المقابل لم تتحمل القشرة هذا الضغط مما ولد أكثر من 300 زلزال وصلت قوة أعنفها إلى 5.9 درجة بمقياس ريختر وهي قوة كانت كافية لإحداث شقوق سطحية مخيفة واضطرت السلطات لإجلاء السكان من المناطق المتضررة.
نظام سباكة بركاني تحت السطح
أثبتت البيانات التي جمعتها الأقمار الصناعية حقيقة مذهلة حيث يوجد نظام سباكة بركاني مترابط تحت الأرض. فبدلاً من أن تنفجر البراكين وتخرج الحمم إلى السطح هاجرت الصهارة من بركان إلى آخر تحت السطح، ثم تجمدت داخل الشقوق لتتحول إلى قشرة أرضية جديدة تضاف تدريجياً إلى ما سيكون يوماً ما قاع المحيط المستقبلي.لرصد هذه التحركات الدقيقة يعتمد العلماء على أقمار صناعية متطورة مثل رادار (InSAR) الذي يمكنه قياس التغيرات في سطح الأرض بدقة المليمتر الواحد.
تشكل المحيط السادس: هل تعيد أفريقيا رسم الخريطة؟
إن ما يحدث اليوم في إثيوبيا هو استمرار لمسار طويل، حيث سبق وناقشنا في مقال سابق تفاصيل بداية تشكل بحر جديد في إفريقيا، وهذا يؤكد أن القارة لا تنفصل بشكل مستمر فحسب إنما باتت تمر بـ نبضات عنيفة تسرع من هذه العملية الجيولوجية.وفي النهاية سيؤدي هذا التمزق إلى انخفاض الأرض لمستوى أدنى من سطح البحر، وعندها ستتدفق مياه البحر الأحمر وخليج عدن لتغمر هذه المنطقة وستتحول إثيوبيا وجزء من شرق أفريقيا إلى قاع لمحيط جديد وهو المحيط السادس لينضم إلى قائمة المحيطات الكبرى في كوكبنا.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور بتاريخ 2024/06/15م في موقع Science Direct.
• مقال منشور بتاريخ 2026/03/12م في موقع Oxford Academic.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.
