شهد مجتمع الفيزياء الفلكية حدثاً بارزاً أعاد الاعتبار لقوانين الفيزياء الكلاسيكية في مواجهة النظريات الحديثة؛ فبعد مرور أكثر من ثلاثة قرون على صياغة إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية العام، أثبتت دراسة كونية حديثة أن هذا القانون ليس مجرد قاعدة محلية للأرض أو المجموعة الشمسية فحسب إنما هو الحاكم الخفي لحركة المجرات في أقصى حدود الكون المنظور.
كيف اختبر العلماء جاذبية نيوتن في الفضاء السحيق؟
لطالما تساءل العلماء عما إذا كان قانون نيوتن للجاذبية ينطبق بذات الدقة على المسافات الهائلة التي تُقاس بمئات الملايين من السنين الضوئية..
وللإجابة عن هذا السؤال استهدف فريق بحث دولي ما يعرف بـ عناقيد المجرات وهي أضخم الهياكل المعروفة في الوجود حيث يضم العنقود الواحد مئات المجرات التي ترتبط ببعضها بفعل قوى جذب هائلة وتزن تريليونات الأضعاف مقارنة بكتلة الشمس.
تعتبر عناقيد المجرات مختبراً جيداً للجاذبية لأنها تمثل أقصى حدود الكتلة والمسافة، مما يسمح باختبار ما إذا كانت القوانين الفيزيائية التي نطبقها على الأرض تظل صادقة على النطاقات الكونية الشاسعة.
قانون التربيع العكسي: من مختبر كافنديش إلى عناقيد المجرات
ينص قانون نيوتن على أن الجاذبية تضعف كلما زادت المسافة وتحديداً بمقدار مربع تلك المسافة وهذا ما أكدته النتائج الأخيرة؛ حيث وجد العلماء أن الجاذبية على مسافات تتراوح بين 80 و800 مليون سنة ضوئية تتبع تماماً ما تنبأ به نيوتن قبل قرون وبنسبة خطأ ضئيلة جداً.
قانون التربيع العكسي هو قاعدة فيزيائية تنص على أن قوة الجاذبية بين جسمين تضعف بمقدار مربع المسافة بينهما؛ فإذا تضاعفت المسافة مرتين، قلت الجاذبية أربع مرات.
تأثير kSZ: رادار كوني لقياس السرعة
ولم تكن المهمة سهلة فقد توجب على الفريق عزل تأثيرات معقدة كـ الطاقة المظلمة وتوسع الكون واستعانوا بظاهرة فيزيائية تُعرف باسم تأثير سونيايف-زيلدوفيتش الحركي (kSZ)، والتي تسمح بقياس سرعة المجرات من خلال مراقبة كيفية تصادم فوتونات الضوء القديم (إشعاع الخلفية الكونية) مع الإلكترونات الموجودة داخل تلك العناقيد مما يمنح العلماء دليلاً ملموساً على حركة هذه الأجرام.
ضربة موجعة لنظرية MOND البديلة
هذا التأكيد العلمي الجديد لم يكن مجرد احتفاء باكتشاف نيوتن إنما كان بمثابة تحدٍ كبير لنظريات بديلة كـ ديناميكيات نيوتن المعدلة المعروفة اختصاراً بـ MOND حيث كانت هذه النظرية تحاول تفسير حركة المجرات دون الحاجة لافتراض وجود المادة المظلمة، وذلك من خلال اقتراح تعديلات على قوانين الحركة عند التسارعات المنخفضة جداً.
إلا أن نتائج الاختبار الأخير أظهرت أن الجاذبية تتبع مربع المسافة بدقة مما يضعف موقف النظرية المعدلة ويعزز الثقة في النموذج القياسي للفيزياء الذي يعتمد على قوانين نيوتن والنسبية العامة، مؤكداً أن المادة المظلمة تظل جزءاً أساسياً لا يمكن تجاهله في فهمنا للكون.
آفاق مستقبلية: ماذا بعد هذا الاختبار؟
لا يتوقف الطموح العلمي عند هذا الحد؛ فالباحثون يتطلعون الآن إلى استخدام مراصد أكثر تطوراً كمرصد سيمونز لمواصلة اختبار حدود الجاذبية وفهم لغز الطاقة المظلمة التي تدفع الكون نحو التوسع المتسارع.
حيث أن صمود قوانين نيوتن في هذه الاختبارات القاسية يمنح العلماء أرضاً صلبة لفهم كيفية تطور الكون منذ لحظاته الأولى وحتى يومنا هذا.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور بتاريخ 2026/05/01م في مجلة Science.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.
