عندما نتحدث عن مكافحة البعوض فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو المبيدات الحشرية وحملات الرش التي تتكرر كل صيف ولكن هذه المرة الأمر مختلف قليلاً فشركة غوغل تريد أن تتبنى نهجاً مختلفاً تماماً في مكافحة البعوض.
حيث تسعى حالياً للحصول على موافقة من أجل إطلاق ملايين البعوض في ولايتي فلوريدا وكاليفورنيا ضمن مشروع يهدف إلى تقليل أعداد البعوض الناقل للأمراض. ورغم أن الفكرة تبدو متناقضة للوهلة الأولى فإن الهدف ليس زيادة أعداد البعوض إنما استخدامه لمحاربة بعضه والحد من تكاثره بشكل طبيعي ومستدام.
إطلاق 32 مليون بعوضة في فلوريدا وكاليفورنيا
غوغل عبر شركة Google LLC طلبت من وكالة حماية البيئة الأميركية إذناً لتجربة إطلاق بعوض ذكور في فلوريدا وكاليفورنيا، على أن يصل العدد إلى 16 مليوناً في كل ولاية خلال عامين، أي 32 مليوناً لكل ولاية في حال احتُسبت السنة الأولى والثانية معاً، و64 مليوناً إجمالاً عبر الولايتين.
وهذا الطلب منشور في السجل الفيدرالي، والمهلة المخصصة للتعليق العام تنتهي في 5 يونيو 2026م.
الفكرة ليست غريبة كما قد تبدو لأول وهلة، فغوغل تمتلك مشروعاً يعرف باسم (Debug) يعتمد على إطلاق ذكور بعوض محمّلة ببكتيريا طبيعية اسمها (Wolbachia pipientis wAlbB).
وعندما تتزاوج هذه الذكور مع إناث من نوع يدعى (Culex quinquefasciatus) فإنها تمنع البيوض من أن تفقس، وبالتالي ينخفض عدد هذان النوع من البعوض بمرور الوقت.
وما هو مهم هنا أن ما ستطلقه غوغل هو الذكور فقط، وذكور البعوض لا تلسع البشر أصلاً.
لماذا هذا النوع من البعوض تحديداً؟
المشروع لا يستهدف كل البعوض كما ذكرنا آنفاً؛ إنما نوع محدد هو Culex quinquefasciatus وذلك بحسب طلب شركة غوغل.
والسبب هو أن هذا النوع يرتبط بنقل أمراض كفيروس غرب النيل والتهاب الدماغ سانت لويس. حيث أن ذكور البعوض التي سيتم إطلاقها ستستخدم لتقليل أعداد النوع المستهدف فقط لا بقية الأنواع.
![]() |
| ذكور البعوض لا تلسع البشر أبداً ومن يقوم بعملية اللسع هم الإناث فقط |
هذا المشروع في الواقع يعتبر ضربة ذكية جداً؛ فبدل أن تُنفق المدن على مدار السنين في سبيل رش المبيدات وملاحقة اليرقات والبعوض البالغ تحاول غوغل أن تضرب حلقة التكاثر نفسها.
فإذا لم تفقس البيوض لن تكبر السلسلة من الأصل وهذه هي النقطة التي تجعل الفكرة جذابة للباحثين ومقلقة للبعض في آن واحد.
هل ذكور البعوض هذه معدّل وراثياً؟
يوضح مركز السيطرة على الأمراض والوقاية في أمريكا أن بعوض Wolbachia ليس معدلاً وراثياً، وأن البكتيريا المستخدمة طبيعية وشائعة في الحشرات، كما أنها تؤكد أن ذكور بعوض Wolbachia لا تعتبر خطرة على البشر أو الحيوانات وأنها تُستخدم ضمن إطار تنظيمي واضح في الولايات المتحدة.
لماذا تدخلت غوغل بهذا الموضوع أصلاً؟
لأن هذه ليست مجرد حملة رشّ جديدة بواجهة مختلفة فمشروع Debug يطمح لتحويل مكافحة البعوض إلى عملية قابلة للتوسيع فيها فرز دقيق للذكور وتحكم في الإنتاج وتحليل للبيانات ومتابعة ميدانية مستمرة.
لهذا بدا المشروع لافتاً؛ فنحت نرى شركة معروفة بالحوسبة والذكاء الاصطناعي تدخل مجالاً كان في العادة من اختصاص برامج الصحة العامة التقليدية.
ناهيك عن أن الفكرة نفسها ليست وليدة هذا الأسبوع؛ فإطلاق ذكور بعوض Wolbachia استُخدم بالفعل في مواقع داخل الولايات المتحدة وخارجها وأتت بنتائج تقلل أعداد البعوض المستهدف وهذا يعني أن الجديد هنا ليس الفكرة إنما حجم التنفيذ واسم الجهة التي تدفع بها إلى الواجهة.
لماذا أثار الخبر كل هذا الجدل؟
لأن الناس سمعوا كلمة إطلاق ملايين البعوض قبل أن يسمعوا تكملة الخبر والتكملة هنا مهمة جداً؛ فالذكور لا تلسع البشر والبكتيريا ليست عدوى بشرية والهدف ليس نشر البعوض إنما خفض أعداده.
ومع كون كل ما تم طرحه يبدو إيجابياً إلا أنه يبقى أي تدخل واسع في البيئة محل تدقيق، ولهذا ما زالت الخطة تحت المراجعة ولم تُنفَّذ بعد.
وما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار أن العالم لم يعد يواجه البعوض بالمبيد وحده.
هناك الآن محاولات لاستخدام علم الأحياء والأتمتة والبيانات لتقليل أعداد البعوض فإيقاف تكاثرهم من جذوره. وإذا نجحت هذه التجربة على نطاق واسع، فقد لا يبقى البعوض مجرد مشكلة موسمية، إنما يصبح ملفاً يُدار بالأرقام والنماذج والرقابة العلمية لا بالرشّ وحده.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• مقال منشور بتاريخ 2024/04/14م في موقع مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.
• الطلب الرسمي الخاص بشركة غوغل في السجل الفيدرالي الأمريكي.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.



