أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

آخر الأخبار

بلاستيك جديد يتبخر عند الدرجة 90 مئوية ثم يعيد بناء نفسه عند التبريد

صورة لبوليمرات بلاستيكية ملونة

طوّر باحثون من جامعة سُرّي جنوب لندن بلاستيك جديد يمكن تفكيكه حرارياً عند درجة الحرارة 90 مئوية إلى جزيئات غازية، ثم تعود هذه الجزيئات تلقائياً إلى تكوين البوليمر الصلب عند التبريد، والأهم أن هذه العملية قابلة للتكرار مما يفتح مساراً مختلفاً لإعادة استخدام بعض المواد البوليمرية.
الدراسة المنشورة في مجلة Macromolecules لا تتحدث عن بلاستيك يختفي حرفياً ثم يظهر من جديد بالشكل نفسه، إنما عن دورة كيميائية يمكن فيها تفكيك البوليمر إلى وحداته الجزيئية وتحويلها إلى بخار ومن ثم إعادة بلمرتها تلقائياً عند انخفاض درجة الحرارة.
وهذه النقطة مهمة لأن الباحثين أظهروا أن مرحلة التفكيك وإعادة البناء يمكن أن تحدث ضمن منظومة حرارية بسيطة نسبياً من دون الحاجة إلى خطوة منفصلة لإعادة البلمرة كما يحدث في كثير من عمليات إعادة التدوير الكيميائي الحالية.


كيف يتحول البلاستيك إلى غاز ثم يعود إلى الحالة الصلبة؟

الفكرة تعتمد على بوليمر يدعى poly(1,2-dithiolane) ويُعرف أيضاً باسم poly(trimethylene disulfide)، وهو بوليمر يتكون من وحدات متكررة مشتقة من الجزيء الحلقي 1,2-dithiolane الذي يحتوي على رابطتين كبريتية ضمن بنيته وعند التسخين تنعكس عملية البلمرة بدلاً من استمرار استقرار السلسلة.

لا يتحول البوليمر نفسه إلى غاز

التفصيل الكيميائي الأكثر إثارة هنا هو أن السلسلة البوليمرية لا تتبخر كجزيء ضخم واحد فعند رفع درجة الحرارة تبدأ روابط السلسلة بالانفصال عبر عملية إزالة البلمرة فتتحرر الوحدات الصغيرة من البوليمر.
وفي حالة هذا البوليمر تحديداً يكون المونومر 1,2-dithiolane غازياً عند درجة الحرارة المستخدمة لذلك ينتقل النظام عملياً من بوليمر صلب إلى مونومر غازي ثم عند التبريد تتجه هذه الجزيئات مرة أخرى إلى إعادة التبلمر لتكوين البوليمر الصلب وقد وصف الباحثون هذا السلوك بأنه أول مثال معروف لبوليمر يُظهر هذه الصورة من التفكك وإعادة التشكل.


لماذا تُعد الدرجة 90 مئوية ملفتة؟

تكمن أهمية الدرجة 90 مئوية إلى أن كثيراً من البوليمرات القابلة لإعادة التدوير كيميائياً تحتاج إلى درجات حرارة أعلى بكثير للتفكك وتذكر الدراسة أن العديد من هذه العمليات تعمل تقريباً ضمن نطاق 150 إلى 200 درجة مئوية بينما يبدأ هذا البوليمر الجديد بالتفكك بكفاءة عند نحو 90 درجة مئوية.
لكن الرقم الأكثر دلالة جاء من التجارب الحرارية التفصيلية في الدراسة نفسها فعند 80 درجة مئوية، فقدت عينة من البوليمر نحو 56% من كتلتها خلال ساعتين، بينما أدى التسخين إلى 90 درجة مئوية لمدة ساعتين إلى استرداد 58 مليغراماً من أصل 65 مليغراماً على جدران الأنبوب، أي نحو 89% من الكتلة مع بقاء 5% في القاع وفقدان 6% بسبب إجراء الاختبار في أنبوب مفتوح.
والأكثر إثارة أن المادة المستردة أمكن تعريضها لدورة re-sublimation مرة أخرى عند 90 درجة مئوية مع كفاءة مماثلة، وهو دليل تجريبي مباشر على قابلية الدورة للتكرار، وليس مجرد استنتاج نظري.

يقصد بـ دورة re-sublimation (إعادة التسامي أو الترسيب) تحول الغاز مباشرة إلى صلب (الترسيب العكسي).

ما الذي يجعل هذا البوليمر مختلفاً عن البلاستيك التقليدي؟

المشكلة في الكثير من المواد البلاستيكية التقليدية أن استقرارها عالي وهو ما يجعلها مناسبة للاستخدام اليومي ويجعل تفكيكها وإعادة تدويرها أكثر صعوبة في الوقت نفسه أما هذا البوليمر فصُمم كيميائياً بحيث تكون البنية القابلة للعكس جزءاً من سلوكه الأساسي.

الروابط الكبريتية هي مفتاح قابلية العكس

يعتمد 1,2-dithiolane على حلقة تحتوي على رابطتي كبريت وتؤدي هذه البنية دوراً رئيسياً في قابلية فتح الحلقة وتكوين السلسلة ثم عكس العملية لاحقاً.
ولهذا السبب يمكن للباحثين نقل المادة بين حالتين مختلفتين نسبياً باستخدام الحرارة (الحالة البوليمرية الصلبة من جهة والوحدات الجزيئية المتطايرة من جهة أخرى) وهذه القابلية للعكس هي التي تمنح المادة سلوكاً دائرياً أكثر وضوحاً من كثير من البوليمرات التي تحتاج بعد تفكيكها إلى مراحل كيميائية إضافية حتى يمكن إعادة استخدامها.

هل اختبر الباحثون استخدامات عملية للبلاستيك الجديد؟

لم تتوقف الدراسة عند تحضير البوليمرحيث اختبر الفريق قدرته على تكوين طلاء عازل للماء، وإزالته حرارياً ثم استخدام عملية التبخير نفسها لتنقية البوليمر من مادة مضافة وهذه التجارب تجعل قيمة الابتكار مرتبطة بالمعالجة وإعادة الاستخدام وليس فقط بتركيب كيميائي جديد.

طلاء مقاوم للماء يمكن إزالته بالتسخين

غمر الباحثون ورقة ترشيح ملفوفة في المادة ثم سمحوا للبوليمر بالتكاثف على سطحها وتشكيل طبقة كارهة للماء فأظهرت الورقة بعد الطلاء مقاومة واضحة للماء، مع تسجيل زاوية تماس بلغت 99.4 درجة في أحد الاختبارات.
وعند تسخين الورقة لاحقاً تبخر الطلاء وعادت الورقة إلى حالتها المحبة للماء وأصبحت قابلة للبلل مجدداً.
طبعاً العينة تعرضت لتغيّر في اللون بسبب التسخين لكن خصائص امتصاص الماء الأصلية عادت وهو ما يوضح قابلية إزالة الطلاء دون إذابة المادة باستخدام مذيب تقليدي.
كما احتفظت نصف العينة المطلية بمقاومتها للماء لمدة 50 يوماً تحت الظروف المحيطة إذ بقيت زاوية التماس عند 93.5 درجة بعد تلك الفترة مما يشير إلى استقرار الطلاء خلال مدة الاختبار.


هل يمكن استخدام هذه الطريقة لتنقية البلاستيك من الإضافات؟

أظهر الباحثون أيضاً تطبيقاً أكثر ارتباطاً بإعادة التدوير. فقد أضافوا صبغة (Nile red) إلى البوليمر لتعمل كنموذج لمادة ملوثة أو مضافة، ثم سخّنوا العينة عند 90 درجة مئوية.
خلال العملية، انتقل البوليمر إلى الطور الغازي تاركاً المادة المضافة، ثم جرى جمع المادة المتكاثفة على الجدار في خطوة واحدة. وكانت النتيجة مادة متكاثفة عديمة اللون، بينما بقيت الصبغة خارجها.
وهنا تظهر إحدى أكثر زوايا الدراسة إثارة للاهتمام: الباحثون لم يقدموا فقط بوليمراً يمكن إعادة بلمرته، بل استخدموا تقلب المونومر نفسه كوسيلة فصل وتنقية. والمنتج عديم اللون الناتج من التجربة بقي مستقراً دون تغير خلال تخزينه في الظروف المحيطة لمدة 15 شهراً.
هذه النتيجة قد تكون مهمة مستقبلاً في الأنظمة التي يصعب فيها إزالة الإضافات المدمجة داخل المصفوفة البوليمرية بالطرق التقليدية، لأن التنظيف الميكانيكي أو الغسل لا يزيل بالضرورة المواد الموجودة داخل بنية البلاستيك نفسها.


هل يعني ذلك أن مشكلة النفايات البلاستيكية حُلّت؟

الدراسة تقدم إثباتاً لمبدأ علمي وليست منتجاً تجارياً جاهزاً لتحل محل البولي إيثيلين أو بقية المواد البلاستيكية المستخدمة على نطاق واسع وحتى الباحثون أنفسهم يؤكدون أن المادة لا تمثل حلاً شاملاً لمشكلة النفايات البلاستيكية العالمية.
وهناك أيضاً فرق مهم بين إثبات إمكانية تكرار دورة التحلل وإعادة البناء في المختبر وبين إثبات قدرة المادة على العمل اقتصادياً على نطاق صناعي كبير.
أي أن الدراسة الحالية تثبت السلوك الكيميائي وتعرض تطبيقات أولية للطلاءات والتنقية، لكنها لا تقدم بعد بيانات تسمح بالحكم على تكلفة التصنيع الصناعي أو دورة الحياة البيئية الكاملة أو الأداء الطويل الأمد في جميع التطبيقات التجارية.


أين يمكن أن تصبح هذه التقنية مفيدة مستقبلاً؟

السيناريو الأكثر واقعية في المرحلة الحالية يتمثل في التطبيقات التي تستفيد تحديداً من القدرة على وضع الطلاء ثم إزالته حرارياً أو استرداد البوليمر دون سلسلة طويلة من خطوات المعالجة الكيميائية وهذا ما تشير إليه تجارب الباحثين على الطلاءات والأسطح.
وقد تمتد الفكرة مستقبلاً إلى مجالات أخرى إذا أمكن تعديل الكيمياء لتوفير خصائص محددة، إذ يشير الباحثون إلى إمكانية استكشاف بوليمرات قابلة للتحلل ذات وظائف حيوية بما في ذلك مواد لاصقة جراحية ومواد هلامية وتطبيقات نانوية لتوصيل الأدوية هذه التطبيقات ما تزال تصورات بحثية وليست استخدامات مثبتة لهذه المادة بعينها.
والزاوية التي تستحق المتابعة هنا هي أن الابتكار لا يحاول فقط جعل البلاستيك "أسهل في التدوير"، بل يقترح تغييراً في طريقة تصميم المادة نفسها: بدلاً من صنع بوليمر مستقر ثم محاولة اختراع طريقة لفكه لاحقاً، يمكن تصميم المادة منذ البداية بحيث تكون عملية التفكيك وإعادة البناء جزءاً من هندستها الكيميائية.


إخـلاء المسـؤولـيـة

• يستند محتوى عربي Daily Post إلى منهجية تحريرية دقيقة تشمل التحقق من المعلومات وتحليلها والاعتماد على مصادر موثوقة. ويُقدَّم هذا المقال ضمن إطار المعرفة والإعلام العام، مع الإشارة إلى أنّ بعض الموضوعات المتخصصة قد تستلزم استشارة جهات مهنية مختصة. وقد تخضع بعض المعلومات المنشورة للمراجعة والتحديث وفق المستجدات العلمية أو التقنية المؤكدة.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.

المصادر والـمراجـع

تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:

 بحث منشور بتاريخ 2026/08/11م في مجلة Macromolecules.
 مقال منشور بتاريخ 2026/08/24م في موقع Science Alert.

الإعـداد والتـدقـيـق

تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.