في يونيو من العام الجاري 2026م أعلن باحثون من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني أنهم نجحوا في تحضير قهوة إسبريسو بقوة الإكسبريسو من ماء بدرجة الغرفة بدون أي ماء ساخن عبر الموجات فوق الصوتية.
ووفق الجامعة فقد خفّضت الطريقة الجديدة استهلاك الطاقة بنحو 75%، كما أن اختبار تذوق شارك فيه 100 من متذوقي القهوة العاديين لم ينجح في التمييز بين النسخة الجديدة والإسبريسو التقليدي.
وهي ليست مجرد حيلة مخبرية عادية فالمغزى الحقيقي أن خطوة تسخين الماء، التي بدت لعقود جزءاً لا يُمس من وصفة الإسبريسو، لم تعد شرطاً أساسياً في طريقة الإعداد الجديدة.
والجامعة نفسها قالت أن النتيجة النهائية كانت مشروباً غنيّاً ومركّزاً يحمل الطابع الذي نتوقعه من الإسبريسو العادي وذات النكهة لكن باستهلاك طاقة أقل وبزمن تحضير قصير.
كيف تعمل تقنية الإسبريسو بالموجات فوق الصوتية؟
![]() |
| الجامعة تتحدث عن إمكان تكييفها مع آلات قائمة وعن فائدتها لمنتجي المشروبات الجاهزة على نطاق واسع |
الفكرة تقوم على تحويل سلة الترشيح التقليدية في ماكينة إعداد الإسبريسو إلى ما يشبه مفاعل فوق صوتي وبدلاً من الاعتماد على حرارة الماء لاستخراج الإسبريسو، حيث يتم استخدام موجات صوتية عالية التردد تنتشر عبر السلة والماء والبن المطحون، فتُحدث ظاهرة تُعرف بالانهيار التجويفي (acoustic cavitation)، وعند انهيار الفقاعات الدقيقة يتولد تأثير ميكروسكوبي يشبه الشق على سطح البن يسرّع خروج الزيوت والمركبات العطرية والكافيين إلى الماء.
![]() |
| مكونات ماكينة إعداد الإسبريسو بالموجات فوق الصوتية |
وبحسب شرح فريق البحث فالنظام يتكوّن من محول طاقة صوتية وعنصر نقل معدني وسلة تحضير معدلة، ثم تُضبط عوامل كنسبة الماء إلى البن ودرجة الطحن ومدة تعريض الخليط للموجات.
وقد خلص الباحثون إلى أن وقت الإعداد الأنسب يتراوح بين دقيقتين ونصف وثلاث دقائق للحصول على كوب متوازن لا يختلف عن كوب الإسبريسو العادي.
لماذا يعتبر هذا الابتكار مهم؟
القهوة ليست مشروباً منزلياً فقط، بل سلسلة إنتاج ضخمة تستهلك وقتاً وطاقة ومياه ومعدات وعندما تُظهر التجربة أن بالإمكان الحصول على مشروب إسبريسو قوي من دون تسخين الماء، فهذا يفتح الباب أمام خفض كلفة التشغيل في آلات القهوة خصوصاً لدى الشركات التي تنتج مشروبات جاهزة للشرب أو تعمل على نطاق صناعي واسع. وقد أشارت الجامعة نفسها إلى أن الفائدة الأكبر تعود للتصنيع التجاري لا في إعداد الكوب الفردي فقط.
لا يشبه هذا الإسبريسو القهوة الباردة حيث تختلف تماماً في القوام والطعم والتركيز.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من الابتكار لا يغيّر الوصفة فقط إنما يغيّر طريقة التفكير في المنتج؛ فإذا بات ممكناً إعداد الإسبريسو بسرعة وبطاقة أقل قد نرى فئة جديدة من القهوة تقع بين الإسبريسو التقليدي والقهوة الباردة والمشروبات الجاهزة، لا تشبه أيّاً منها تماماً لكنها تستفيد من كل واحدة منها.
لماذا لم يشعر المتذوقون بفارق واضح؟
كما قلنا آنفاً هذه التقنية الجديدة في إعداد الإسبريسو تم تجربتها على مئة شخص قاموا بتذوق الإسبريسو ولم يتمكنوا من التفريق بين الإسبريسو التقليدي والإسبريسو المعد بالموجات فوق الصوتية كما قالت الجامعة أن التحليل لم يُظهر فروقاً مهمة في الرائحة أو القوام أو المرارة أو النكهة بشكل عام.
وهذه نقطة مهمة لأن كثيراً من التقنيات الحديثة في الطعام والمشروبات تفشل عند حاجز الذوق حتى لو بدت ممتازة في المختبر.
أي أن المعادلة جاءت هنا مقلوبة والتقنية حققت مكسباً في الطاقة والزمن من دون أن تدفع المستهلك إلى دفع ثمن ذلك على مستوى النكهة.
هل هذه أول مرة يستخدم فيها الموجات فوق الصوتية مع القهوة؟
![]() |
| الهدف من هذا الابتكار هو الوصول إلى تجربة أقرب إلى الإسبريسو نفسه لكن دون الاعتماد على الماء الساخن |
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم استخدام فكرة الموجات فوق الصوتية في إعداد القهوة وهذه هي الخلفية التي تجعل الخبر الحالي أكثر من مجرد عنوان لافت.
ففي دراسة سابقة نُشرت عام 2020م أظهر فريق بحث مرتبط بالموضوع أن التحليل فوق الصوتي يزيد استخلاص الكافيين وثلاثي الغليسريد وبعض المركبات المتطايرة الأساسية في القهوة.
ومن ثم عاد الفريق نفسه عام 2024م ليعرض نظاماً لصنع قهوة باردة سريعة اختصر زمن تحضيرها من 12 - 24 ساعة إلى أقل من ثلاث دقائق، وذكر أن الإعداد قد يضاعف مردود الاستخلاص وتركيز الكافيين في بعض الظروف.
ولم تكتفِ دراسة عام 2024م بتقليص الزمن؛ بل اختبرت أيضاً صفات الطعم والحسّ الفمي وخلُصت إلى أن التحضير فوق الصوتي يمكن أن ينتج قهوة قريبة جداً من القهوة الباردة التقليدية من حيث التجربة الحسية.
وهذا يعني أن إعداد الإسبريسو بالموجات فوق الصوتية التي نتحدث عنها ليست قفزة منفصلة، إنما امتداد لسلسلة تطوير بدأت قبل سنوات وتدرجت من القهوة الباردة إلى إعداد نسخة مطابقة عن الإسبريسو العادي.
ما الفرق بين هذا الإسبريسو والقهوة الباردة؟
الفرق هنا جوهري فعلى الرغم من أنهما يندرجا تحت مسمى المنبهات إلا أن القهوة الباردة التقليدية تُعرف عادة بأنها أكثر نعومة وأقل حموضة وأقل مرارة لكنها أيضاً تستغرق وقتاً طويلاً وغالباً ما يكون الكافيين داخلها أقل تركيزاً من الإسبريسو.
أما النسخة الجديدة من الإسبريسو فهي تقدم إحساس الإسبريسو نفسه من دون الحرارة وبقوة وتركيز كما في كوب الإسبريسو العادي.
ومن هنا تأتي أهمية التسمية التي اختارها الباحثون وهي (ultrasonic espresso) حيث لا يشير إلى بديل للقهوة الباردة إنما إلى مسار مختلف تماماً في الاستخلاص، حيث يكون الصوت أداة الإنتاج الأساسية بدل التسخين وهذا ما يجعلها تجربة صناعية أعمق من مجرد اختصار للوقت.
هل ستصل هذه التقنية إلى المقاهي والبيوت؟
الأرجح أن الطريق سيمر عبر المصانع أولاً، فالباحثون أشاروا إلى أن النظام يمكن أن يتكيف مع آلات الإسبريسو القائمة، كما تحدثوا عن اهتمام محتمل من شركات تصنيع آلات القهوة ومن قطاع المشروبات الجاهزة للشرب.
ولكن الحديث هنا لا يعني أن كل ماكينة منزلية ستتحول قريباً إلى جهاز فوق صوتي، إنما يعني أن الباب بات مفتوحاً لتطبيقات تجارية يمكن أن تغيّر شكل الإنتاج وليس فقط شكل التحضير.
يُلاحظ أيضاً أن القيمة التجارية الحقيقية ستكون في تقليل الحاجة إلى التسخين والتبريد معاً، وفي إنتاج مشروبات سريعة الطلب ضمن مساحة وزمن أقل.
وهذا النوع من الابتكار عادةً لا يلمع فقط لأنه غريب بل لأنه يملك فرصة لتحسين الاقتصاد التشغيلي في سلسلة كاملة من المصنع إلى الكوب.
• لا يتحمّل عربي Daily Post المسؤولية عن أي قرارات مبنية على المحتوى المنشور.
• للاطلاع على معايير العمل التحريري يمكن مراجعة سياسة التحرير، وللتفاصيل القانونية يُرجى الرجوع إلى البند (6) من اتفاقية الاستخدام المتعلق بإخلاء المسؤولية وحدود المسؤولية.
تم الاعتماد في كتابة هذا المقال على المصادر التالية:
• بحث منشور بتاريخ 2026/06/10م في مجلة The Conversation.
تم إعداد هذا المقال بواسطة فريق عربي Daily Post وفق منهجية تحريرية تعتمد على جمع المعلومات من مصادر موثوقة، ثم مراجعتها وتدقيقها وتحليلها، لضمان دقة المحتوى وموثوقيته بما يتوافق مع أعلى معايير المهنية والشفافية.



